الداء و الدواء

مريم سيد علي مبارك – أكاديمية نيرونت للتطوير و الإبداع والتنمية البشرية

 

من الناس من لم يدرس الطب في حياته ولكنه يستطيع أن يشخّص الدّاء ويصف الدواء، ومن الناس من ليس بطبيب ولكنه يستطيع أن يعالج، ببساطة لأن الطب فن لا يتوقف عند مجرد تحليلات للدم وأشعة وفحوصات….

كانوا إلى عهد قريب يطلقون على الطبيب اسم” الحكيم” ، لأنهم علموا أن كل الأمراض تعالج بالحكمة والحكمة دواء قد يوصف للأصحاء وليس فقط للمرضى…لذلك تحتاج مؤسساتنا اليوم إلى مدير يلبس البدلة البيضاء!!

فقد يسقط العامل في معمله جراء حادث مادي ويحتاج لطبيب يخيط جرحه المفتوح وقد يسقط جرّاء حادث معنوي ويكون الضرر الذي يسببه السقوط أشدّ على النفس من الضرر الملاحظ بالعين المجرّدة، ذلك لأن الخطأ “حادث أليم”..  وإزاء هذا الحادث كثيرا ما يتصرف الرؤساء بتهور فيسلطون أشد العقوبات على مرؤوسيهم عوضا عن العفو الذي يحقق من التقدم والنجاح ما لا يتحقق بالعقوبة.. لذلك كان الأمر الإلهي بالعفو قال الله تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلي).

المدير الماهر هو الذي لا يسخر ولا يلوم ولا يوبخ العامل إذا أخطأ لوما وتوبيخا وسخرية توغل الجرح في الجسد الأليم لأن اللوم والتوبيخ والسخرية يحطمان كبرياء النفس ولا يعودان على “المصاب” بحادث “الخطأ” غالبا بالخير, لذلك فمن الظلم أن نعالج الخطأ بخطأ أكبر منه…هذا السلوك لا يجرح الكرامة ويحطم الكبرياء ويؤذي الشعور فحسب، بل من شأنه أن يثير الكراهية والعداء.. والمدير ليس بحاجة الى سم بل هو بحاجة إلى ترياق.. حسن الإدارة معناها حسن المعاملة والأخلاق هي من أهم عوامل النجاح في المؤسسات.. لأن الأخلاق هي أولى الشهادات العلمية، هي الهوية وبطاقة تعريف الشخصية.. المدير مثله مثل الطبيب لا يجب أن يلجأ إلى المقصات الحادة والمشارط والسكاكين لطالما هناك وسائل تقنية أرحم وأكثر فعالية..فلم يكن العنف أبدا الوسيلة المثلى لعلاج الأخطاء ويبقى دائما الخيار الأخير طالما أن الإنسان من لحم ودم.. يحس ويشعر بتأنيب الضمير..لم يكن العنف أبدا الدواء الأكثر نجاعة ولا الحل الأمثل للمشكلات، وهناك مثل صيني يقول : لا تستخدم الفأس لإزالة ذبابة عن رأس زميلك!

ولَكَم أعجبتني قصة قصيرة قرأتها اختلفت الشمس والريح أيهما الأقوى، فقالت الريح للشمس: “سأبرهن أنني الأقوى، هل ترين الرجل العجوز الذي يرتدي المعطف؟ أراهن أن باستطاعتي أن أجعله يخلع معطفه أسرع منك”، وقفت الشمس وراء غيمة وبدأت الريح تهب حتى كادت تكون عاصفة، وكلما اشتدّت الريح كلما ازداد الرجل تمسكا بمعطفه. وأخيرا هدأت الريح واستسلمت، ثم خرجت الشمس من وراء الغيمة وابتسمت برفق للرجل، وسرعان ما مسح جبينه وخلع معطفه، عندئذ قالت الشمس للريح : “إن اللطف والصداقة هما دائما أقوى من العنف والقسوة”!

فإذا كان الطبيب ينتقي الإبرة الدقيقة التي لا تسبب الألم كذلك على المدير أن ينتقي الكلمة الرقيقة التي يكون لها أعمق الأثر على النفس البشرية..لماذا عندما يقوم شخص ما بتصرفات سيئة نغضب ونثور؟ وعندما يقوم ذات الشخص بتصرفات جيدة نلتزم الصمت ولا نقول شيئا ؟؟ الجواب لأننا نفتقر للعدل في تصرفاتنا! والعدل مهم جدا في تطوير المؤسسة ورقيها.. النهوض بالمؤسسة يتطلب حكمة وفهما لطبيعة النفس البشرية، يتطلب تؤدة وحلما ورفقا ودراسة ليس من أجل نيل شهادات عليا وإنما لحل المشكلات، والمدير الناجح هو الذي يضع نفسه موضع العامل، ويضع في الحسبان أنه قد يقع فيما وقع فيه من خطأ إذا كان في ظروف مماثلة ولا ينسى أن الإنسان كما له عقل، له عاطفة أيضا، عاطفة لا تعترف في كثير من الأحيان بالمنطق.. كما يجب على المدير ان يعلم جيدا أنه لا يستطيع إدارة المؤسسة بمفرده وهو لا يستطيع أن يستغني عن بقية الأفراد تماما مثلما لا يستطيع الاستغناء عن أفراد المجتمع الذي يعيش فيه،

صدق ابن خلدون حين قال “الانسان كائن اجتماعي بطبعه”.. بل إن مشاركة المدير موظفيه في أعمالهم ومشاورتهم والتحاور معهم والجلوس على مقاعدهم يشعر العمال بالحماس والقرب أكثر وخلاق للابتكار، أما جلوسه في مكتبه وإصدار الأوامر غالبا لا يأتي بثمار النجاح.. وكما يدل الطبيب مريضه على موضع الأماكن المتضررة من جسمه ويطمئنه على سلامة أخرى، كذلك يدل المدير على جوانب الصّواب في سلوكيات العمال الخاطئة، خصوصا الجدد والذين لم يتعودوا على طبيعة العمل..فلا يسرد عليهم زلاتهم وسقطاتهم دون الإشارة إلى جوانب الصواب والخير في عملهم، فإن حدّث الطبيب المريض عن قوته وقدرته على المشي والحركة ارتاح وسكنت نفسه ونسي مرضه، كذلك إن تحدّث المدير عن إنجازات عماله وأشاد بأعمالهم ارتاحوا وانشرحت صدورهم وتشجعوا للعطاء أكثر..لأنهم يكونون حينذاك قد شعروا بالإنصاف من نقد المدير لهم تماما كما يشعر المريض بالثقة عندما يسلم للطبيب جسمه في غرفة العمليات.. . إن المدير لا ينجح بدون تخطيط جيد، وهو مهما علت رتبته يستطيع أن يتعلم من عماله ولو أخطأوا ببساطة لأنه مثلما لديهم عثرات فكذلك لديهم محاسن ومزايا، والإنسان الذكي عموما –من وجهة نظري- هو الذي ينفتح على جميع الناس ويصغي لجميع الناس صغيرهم وكبيرهم، قويهم وضعيفهم، غنيهم وفقيرهم، المحسن منهم والمسيء، فيأخذ ما يمكن أن يستفيد منه ويتعلم ويرمي ما يضره أو يتنافى مع قيمه ومبادئه في “سلة المهملات”  إن إداراتنا تحتاج إلى طبيب.. وأوطاننا بحاجة إلى علاج فالإنسان معرض للخطأ بل إنه يبدأ السقوط من أول خطوات يتعلم فيها المشي..

ليس عيبا أن نخطئ، ليس ضعفا أن نسامح.. العيب أن نستمر في الخطأ ونصر عليه.. العيب أن نلجأ إلى أكثر الوسائل حدة للعلاج.. العيب أن نحقد ونسمّم أرواحنا بالضغائن وأمراض القلوب الأشد فتكا.. والضرر كل الضرر أن نعالج الأجسام ونترك الأرواح.. لا أجمل أن يكون المرء متفهّما متسامحا ولا أفضل من كلمة طيّبة يطيب بها الخاطر وتطيب لها الجراح..في البيت والعمل والمدرسة وقصر الحكومة وليس فقط في المؤسسة.

الداء يا أصدقاء ليس فقط ما تألم من جسدك بل ما تألم من مؤسستك ومحيطك ووطنك .. والدواء لا يوصف للمرضى فقط بل قد يوصف للأصحاء..! ***

اكتب تعليق من فيسبوك

تعليق