المحاضرة الخامسة 

بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم ، أما بعد
استكملنا في الحلقة الماضية الحديث اللغة و تحدثنا عن أدوات معالجة مرشحات او عيوب اللغة الثلاث (الحذف و التعميم و التشويه) و هذه الأدوات المعروفة بأسم اللغة العليا أو نموذج ميتا . 

و اليوم موعدنا مع آخر محاضرة مع اللغة كأحد الجوانب الهامة التي تبحث فيها البرمجة اللغوية العصبية . 

اليوم موعدنا إن شاء الله مع ” اللغة و التفكير و الاتصال “ 

اللغة و التفكير و الاتصال
إن اللغة كما أوضحنا تمثل أهم طرق الاتصال حيث أن أهميتها تتساوى مع الحواس و التي سنبدأ الحديث عنها من المحاضرة القادمة إن شاء الله تعالى . 

لذلك فعندما كنت أتحدث عن عيوب اللغة الثلاث ثم ألحقتها بالحديث عن طريقة علاج هذه العيوب باستخدام لغة ميتا فقد كان هذا الحديث بداية لهذه النتيجة التي وصلنا أليها الآن . 

نعم في محاضرة اليوم أريد ان تكون محاضرة ” حسية ” بمعنى ان تتحسسوها بحواسكم و تدركونها بالمعنى الحقيقي للإدراك الذاتي لأنني أنشد بها الكثير من الإفادة الشخصية لكل منا خاصة لمن يصابون بالقلق أو الضيق النفسي أو العصبية ، نعم هذا ما انشده في هذه المحاضرة كما سنرى إن شاء الله . 

لاحظ كلماتك
تصور معي أن هناك مصنعاً في عقلك لتصنيع الأفكار و المعتقدات و التي منها تنتج ردود أفعالك و تصل للآخرين فإن اللغة تمثل في هذه الحالة أحد الماكينات الكبرى و التي تشغل حيزاً محترماً من مساحة هذا المصنع لتكوين الأفكار و المعتقدات ، و لذلك قد تكون هذه الأفكار و المعتقدات قيمة و ايجابية و قد تكون العكس للأسف الشديد. 

إن اللغة هي الطريقة التي لا تتواصل بها مع الاخرين فحسب و لكنك تتواصل بها مع نفسك ، تصور كم الرسائل التي توجهها الى ذاتك يومياً ولا تعرف قدر تأثير هذه الرسائل على حالتك النفسية و العصبية أو تأكيد معتقدات شخصية سواء صحيحة أو خاطئة أو تكبير مبالغ فيه في الأوهام و التصورات الشخصية الغير مبنية على أسس في الواقع العملي و هكذا . 

اليوم سنتحدث عن تأثير اللغة في هذا الأمر 

اللغة و الكلام 

تعالوا نستكشف سويا العلاقة الوثيقة بين اللغة و تكوين الأفكار من خلال أحاديثنا العادية المتبادلة فيما بيننا ( الكلام) 

فمثلاً 

عند قولك رأيت زهرة 

ما هي المعلومة التي وصلت لك ، ألا ترى ان قدر المعلومات التي وصلت إليك تحتاج الى المزيد من الأسئلة لاستحضارها أكثر ؟ 

مثلا ما هو حجم الزهرة ووزنها و ما هو نوعها أو من أي فصيلة تنتمي و هكذا قدر من المعلومات التي يمكننا الاستفسار عنها للوصول الى حقيقتها او جزء من حقيقتها ، قد يمثل هذا الأمر 50% من حقيقة هذه الزهرة . 

هل أدركت هذه النسبة ؟ كيف لي أن أحدد نسبة كهذه ؟ لماذا لم تكن مثلا 25% من حقيقة تلك الزهرة مثلاً 

تصور أن أقول لك أن المعلومات التي وصلتك عن الزهرة التي اتحدث عنها تمثل 50% و تيقنت هذا الأمر ألن يتكون لديك معلومة و اعتقاد أن قدر المعلومات الذي أعطيتها لك يمثل على الدوام 50% من حقيقة تلك الزهرة و يصير هذا الاعتقاد في رأسك لتبني عليه معلومات اكثر . 

لا شك ان النسب السابقة افتراضية و لكن المهم هنا هو بيان النقص الكبير في المعلومات الذي ورد الينا من اللغة و ما سببه من تكوين و تركيب الأفكار لدينا . 

إذا يمكن اللغة المشوهة و الناقصة (التي بها حذف) يمكن أن تؤدي إلى اتخاذ قرارات مبنية على معلومات ناقصة لذلك تكون هذه القرارات بالنقصان الذي يؤدي إلى نتائج غير مستحبة . 

تصور مثلاً انك قررت السفر إلي بلد مثل نيجيريا لسبب ما 

تجد من حولك يحكون لك قبل السفر بأنك مقبل إلى الذهاب نحو الجحيم ، فلن تنجو من ذبابة التسي تسي و ما أدراك ما هي و حتى إذا فلت منها لن تنجو من بعوضة الملاريا مثلاُ ، ناهيك عن الإيدز الذي يمكن ان تصاب به إذا عطس أحد من النيجيريين في وجهك ، و خلاف ذلك فأنت ستنام بين قبائل الماو ماو آكلة لحوم البشر (أي تصبح وجبة من اللحم المشوي و هي فرصة قبل عيد الأضحى ) ، تصور حجم هذه المعلومات التي وصلت إليك قبل السفر ماذا يمكنها ان تفعل بك ، لعلك تقرر انك لن تسافر أو لربما تلغي قرار السفر أو تحيله لشخص آخر و يمكن ان تكون الفائدة منه جمة و لكنك اتخذت قرارك لأن المعلومات التي وصلت إليك معممة ، مبنية على شخص نيجيري واحد شوهد و هو مصاب بمرض أو لعل من حدثك في هذا الأمر تابع وسائل العلام التي تصور صورة واحدة لكيلو متر من الأرض ينتمي الى مليون كيلو متر مربع مثلاً . 

لذلك فإن اللغة في هذه الحالة أدت بك الى تكوين فكرة لا تتطابق بالكلية مع الواقع العملي نتيجة التعميم . 

يقول لك السكرتير 

المدير يريدك في مكتبه 

تدخل أنت على مديرك 

ليقول لك : أطبع التقرير 

و من الواضح أن هذا المدير مهيب الشخصية او مخيف الى حد ما لذلك و لكونك تريد ان لا تبقى أطول فترة ممكنة في وجهه تقول له : حاضر سأطبع التقرير 

لتخرج و تعود الى مكتبك على أمل أن يدلك أحد من زملائك على ماهية التقرير الذي يريده مديرك فربما يعرف أحدهم ماذا يقصد بالمعاشرة و الاعتياد لتقع في ثلاثة احتمالات 

الأول :  أن  تفاجأ بان لا يوجد أحد من زملائك على علم بالتقرير المقصود 

الثاني : أن يدلك زميل على تقرير فتطبعه و تعرف بعد ان يحدث المحظور أنه تقرير خاطئ 

الثالث : أن تقرر ان لا تطبع أي تقرير لعدم معرفتك به فيحدث المحظور أيضاً 

و برغم أن هذا الإشكال يمكن ان يحل بمجرد سؤال و هو ” ما هو التقرير المطلوب سيدي ” و ينتهي الأمر 

هناك مقولة إدارية أثيرت حول هذا الموضوع تقول 

” أغلب المدراء ينظرون للموظفين على أنهم متخلفين و في المقابل ينظر الموظفين للمدراء على انهم مجانين “ 

كل هذا من جراء عيب الحذف تصور أن هذه المقولة مكونة من عدة افكار عقلية نتجت من مرشح او عيب الحذف 

إذا أردت أن تخبر صديقاً عن حادثة شاهدتها أو أردت ان تناقش معه حديثاً مشتركا فيمكنك ان تفعل ذلك بإحدى ثلاث طرق 

الأولى ان تكتب له رسالة تصف فيها الحدث او المشروع 

الثانية أن تتصل به هاتفياً لتخبره 

و الطريقة الثالثة أن تلتقي به و تحدثه وجها لوجه 

ما الفرق بين الطرق الثلاث ،، سنعرف ذلك بعد الفاصل إن شاء الله . 

فاصل 

من الأهمية أن تتعرف على المعلومة التالية ، ستفيدك كثيراً في تنمية اتصالك بمن حولك . 

كما في المثال السابق لإيصال فكرة المشروع لصديقك يمكنك القيام بثلاث طرق 

إرسال رسالة أو ان تتصل به هاتفياً أو ان تخبره وجها لوجه ، و الفرق بين الطرق الثلاث مهم فالطريقة الاولى أو الرسالة تصف ما تريده عن طريق الكلمات فقط أي بلغة مكتوبة 

أما التليفون ستقول له نفس الكلمات و لكن بلغة مسموعة أي بنبرة صوتك مما سيعطي وصفاً اكثر حيوية و تجعل صديقك اكثر الى فهم المطلوب . 

و أخيرا أن تلتقي به بمعنى أن تحدثه وجها لوجه فستكون لغة مسموعة مع اتصال مرئي بها لغة تعبيرات جسدك بالكامل فسيكون الوصف بهذه الحالة اكثر دقة ووضوح . 

المعلومة إذا التي أحب ان اعرفها لك أنه طبقاً للدراسات و التجارب حول الاتصال الفعال فإنه وجد ان عملية لعملية التخاطب ثلاثة عناصر باستخدام اللغة (الكلمات ، و النبرة الصوتية ، و لغة تعبيرات الجسم) و لذلك فإن نسبة دور كل عنصر من هذه العناصر في إيصال المعلومات كما يلي على التوالي 

7% للكلمات ( اللغة المكتوبة ) 

38% للنبرة الصوتية ( اللغة المسموعة ) 

55% لتعبيرات الجسم ( لغة الجسد ) 

شئ رائع أليس كذلك ؟ 

بالطبع ليس معنى ان تعبيرات الجسد تستحوذ على أعلى نسبة في طرق الاتصال أنني أدعوك لتعلم الرقص مثلاً معاذ الله و لكن للجسد لغة و للعيون لغة سنتحدث عنها في حينها في هذه الدورة إن شاء الله تعالى . 

و للعلم هذه النسب أثبتها فريق من الباحثين الإنجليز و نشرت عام 1970 م .
كل ما سبق أمثلة حول تأثير استخدام اللغة على تكوين الأفكار في المخ و السمة العامة التي يمكن ان تنتج بها الأفكار من جراء اللغة و هذا هو هدفي في هذه المحاضرة اأن اثبت لك شكلاً للأفكار التي يمكن ان تنتج من جراء الكلمات التي تطلقها السنتنا و تأثيرها على تكوين افكارنا و بالتالي تكوين و ترسيخ معتقداتنا و قيامنا . 

فالتفكير 

هو عملية معالجة للمعلومات الواردة الينا أو التي تستقبلها حواسنا الخمسة لذلك فالتفكير يقوم بمعالجة المعلومات و تصنيفه و مقارنة و تقييم لهذه المعلومات على ضوء حزمة المعتقدا و القيم المتواجدة و المخزنة في عقلنا الباطن سواء بترسيخ هذه المعتقدات و القيم أو بالاضافة اليها أو بالتشكيك فيها و بالتالي حذفها مثلا برغم صعوبة تحقق هذا الأمر فعلياً ، و من ثم بمجرد حدوث عملية المعالجة تلك ينتج نوع من التاثيرات الفسيولوجية في العضلات و التنفس و لون البشرة و تعابير الوجة (الذي نعتبره شكلا من أشكال اللغة ) و من هنا لكي لا تكون هذه الجزئية مجرد كلام نظري تعالوا نطبقه سوياً بتمرين عملي بسيط . 

تمرين الحالة النفسية 

أجلس مع نفسك في مكان هادئ لا يقاطعك فيه احد ولا حتى جرس الهاتف الثابت او النقال . 

استرح و استرخ 

أطلب منك الآن أن تفكر في أي حدث سعيد أو مبهج او مفرح حدث لك في أي وقت من حياتك . 

فكر فيه ، شاهده ، عش معه 

هيا قم الآن بالتفكير في شئ يثير غضبك 

فكر فيه ملياً ، آسف اجعل التفكير فيه يثير غضبك أكثر 

الان قارن بي شعورك و تفكيرك في الحالتين ثم قل لي النتيجة 

نريد ان نتعلم كيف نستخدم اللغة بالشكل الأمثل 

الذي يؤدي الى تكوين الافكار بالشكل الصحيح و يؤدي الى عملية اتصال فعالة بين الآخرين 

ففي المحاضرات السابقة كان الهدف منها الحديث عن مرشحات اللغة الثلاثة و التي قد تبين بالفعل مدى تأثيرها على العلاقات بيننا مع الآخرين ثم تحدثنا عن مقاومة هذه العيوب باستخدم نموذج ميتا و الآن نتحدث بشكل اكثر وضوحاً عن اللغة و علاقتها بالتفكير و حاولت أن أقوم بعمل ربط لبعض المواقف في هذه المحاضرة لنستخلص منها أشكال الأفكار الناتجة عنها ثم تحدث عن اللغة و علاقتها بعملية الاتصال و عرفنا نسب ممتازة تمثل معلومات جديدة تمكننا من تطوير لغتنا بالشكل الأمثل ، ولا أقصد هنا اللغة المستخدمة في الحوار أو حتى اللهجة المحلية بل أقصد لغة التواصل التي يستخدمها كل واحد منا مع غيره من الناس . 

و الان 

حان الوقت لنتحدث عن اللغة المثلى في الحوار مع الآخرين و التي ستكون تحت عنوان ” التعبير “ 

التعبير 

التعبير هو الاتصال و يعني الطريقة المثلى التي نستعمل بها اللغة 

و الاستعمال الأمثل للغة 

هو الذي يحقق فهماً أعمق للآخرين و إجادة التعبير عن الأفكار و الآراء و المطالبة للوصول الى أقصى ما يمكن من درجات التاثير و يحدث ذلك عندما تكون بليغاً في الحوار بمعنى أن تمتلك اكبر قدراً من التراكيب اللغوية و عناصر اللغة و تستثمرها في حوارك مع الآخرين مثلا “ 

–       ان تستخدم طرق التشبيه و الاستعارة و المجاز في حوارك 

–       و ان تعتمد على طريقة التمثيل بالامثلة التطبيقية العملية ليثرى حوارك
–       أن تعتمد على الاختصار في المواقف التي تحتاج اليه و لكن ان تتعلم كيف تختصر ولا تختزل بمعنى ان لا يكون حديثك به كلمات محذوفه كما عرضنا من قبل
–       تعلم فن الاستماع (سنتحدث عنه ان شاء الله) و اخلط بين بين اللغة المنطوقة و لغة الوجه و الاعين (ايضاً سنتحدث عنها لاحقاً)
–       استخدم اللغة العليا لمقاومة عيوب اللغة مع نفسك و مع من حولك
–       و أخيراً امامك بعض الادوات استثمرها في لغتك مع من حولك
–       الاستعارة …. أبلغ من التصريح
–       التشبيه على سبيل الاستعارة …… أبلغ من التشبيه لا على سبيل الاستعارة
–       الكناية بالصفة …. أبلغ من الافصاح بالذكر
و نلتقي بعد الفاصل 

-فاصل 

سنختم حديثنا في محاضرة اليوم بأسلوب يستخدم في الحوار يفيدك في استعمال أدوات اللغة التي تحدثنا عنها عندما تحدثنا عن التعبير فقلنا أنه ليكون حوارك بليغاً عليك ان تستثمر أدوات التشبيه و الاستعارة و المجاز الكناية في حوارك او في لغتك عامة . 

و من هنا قام العلماء بعمل لغة سميت باللغة الرمزية أو Metaphors
اللغة الرمزية Metaphors أو اسلوب ميلتون 

من الجيد ان يكون حوارك خصباً مليئاً بالصور و التشبيهات و المعاني ، يؤدي هذا الي ايصال الأفكار الى العقل الباطن لدى المستمع لأن هذه الطريقة تفتح مجالاً خصباً لدى السامع و آفات في عرض الفكرة و شكلها فينشغل عقله الواعي في البحث عن المعنى ، تفيد هذه اللطريقة كثيراً العاملين في مجال التسويق و المبيعات و المحاضرين و المعليمين و غيرهم من اصحاب المهن التي تعتمد على الحوار و اللإقناع و تفيد الدعاة ايضاً و كذلك تستخدم في الاعلانات التجارية بشكل كامل و لإقناع الزبائن على شراء المنتجات خاصة الاستهلاكية منها  . 

و قد كون الدكتور ” ميلتون اركسون ” هذه اللغة حتى سميت باسمه . 

أدوات هذه اللغة 

في اللغة المنطوقة 

تعتمد هذه اللغة عند استخدامها في اللغة المنطوقة على ” التشبيه و الإستعارة و المجاز و الكناية ” و الترميز للمعنى 

و استخدام النبرة الصوتية في الكلام بشكل يتلائم مع الحوار ذاته كرفع الصوت في كلمات معينة أو مقاطع معينة لزيادة التاثير على السامعين خاصة في الكلمات التي تدل على معنى الحق و الفضيلة و الصدق . 

في لغة الجسد 

استخدام اشارات اليد و الاصابع و الرأس 

في اللغة المكتوبة 

تعتمد ايضاً لغة ميلتون اريكسون في اللغة المكتوبة على وضع خط سميك تحت الكلام أو الكتابة بخط مائل و بخط سميك لبعض الكلمات التي تدل على المعنى (أستخدم انا هذه الطريقة في كتابة محاضراتي معكم ) حيث يقول د : ميلتون إن هذه الطريقة تسهل وصول الفكرة الى العقل الباطن 

من هنا كفى الحديث عن اللغة 

رحلتنا معها اتمنى ان تكون رحلة شيقة و ممتعة و اتمنى اننا نكون استفدنا بمعلومات جديدة عن اللغة 

مطلوب منكم تفهم الحلقات الثلاث عن اللغة و تطبقوا المفاهيم و تقيسوا على الأمثلة العملية التي تحدثنا عنها و تقوموا ايضاً بترتيب نموذج لغتكم الشخصية كما اوضحنا خاصة في هذه المحاضرة 

لقاؤنا القادم مع الحواس إن شاء الله و سنخوض فيها كثيراً من الموضوعات الجذابة 

أشكر حضوركم ، وفقكم الله و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته . 

الحلقة (6) 

الحواس 

بسم الله الرحمن الرحيم ، و الصلاة و السلام على اشرف الأنبياء و المرسلين ، سيدنا محمد عليه افضل الصلاة و أتم التسليم . 

أخواني الأعزاء 

انتهينا في الحلقة الماضية من الحديث عن اللغة و كيف يمكن للغة ان تكون مكوناً هاماً (بل هي كذلك بالفعل) للتأثير على الأفكار و المعتقدات كما شاهدنا سوياً . 

و اليوم سنتحدث إن شاء الله تعالى على الحواس ” حواسك الخمسة ” و سنتعرف على مدى عددمن الحلقات أولها هذه الحلقة على دور الحواس كشريك هام جداً لتكوين المعتقدات و الأفكار و التأثير عليها خاصة في الحلقة القادمة عندما سنتحدث عن ” النظام التمثيلي ” VAK  و دورة في التأثير على العلاقات المتبادلة بين الناس و توطيد عملية الاتصال فيما بينهم . 

و اليوم سنأخذ مقدمة عن هذا الموضوع فيها عدد من المعلومات ممكن نقول جديدة . 

2- الحواس 

كلنا نعرف أن الحواس عددها خمسة و هي  (السمع و البصر و الشم و التذوق و اللمس ) إلا أن هناك حاسة أخرى سادسة (طبعاً ستقولون هي “الحاسة السادسة ” أو حاسة التوقع و التخمين ) و أقول لكم  هناك حاسة سادسة بالفعل و لكنها ليس المقصود بها حاسة التوقع و التخمين و لكن المقصود بها ” الحاسة الحركية ” و التي سنشرحها بالتفصيل . 

الحواس لها دور رئيسي و حساس للغاية في التأثير و البرمجة للعقل الباطن و لكننا الحقيقة سنتحدث عنها هنا في هذا الدرس كمؤثر أو كعنصر مبرمج ” غير مقصود” ولا يمكن التحكم فيه بل التحكم يكون على آثاره و تطوير أداء الحواس لتغيير النتائج على العقل الباطن . 

و الإنسان يستقبل و يرسل و يدرك من خلال حواسه العديد من الألفاظ و الأصوات و يشاهد العديد من المشاهد و الصور و الحركات و يشعر بعوامل خارجية و يتذوق الكثير من المذاقات بحيث يشكل كل هذا لديه ملايين القناعات و المعتقدات ، تتحول بدورها إلى أفكار هذه الأفكار يتم التعبير عنها بواسطة اللغة فتتحول هذه الأفكار إلى أفعال و من هنا تتكون شخصيتك و يتحدد مصيرك ، أي أن الموضوع كما اعتقد فعلاً كبير و يستحق الاهتمام . 

اعرف حواسك 

-هل تعلم بأن عينك البشرية يمكنها أن تبصر شمعة على بعد 10 أمتار و أقصى رؤيا للعين مع توافر صفاء الجو و في ليلة مظلمة 45 كيلو متر 

و هل تعلم أن كل عين من عينيك بها نحو 6 ملايين مخروط بللوري و 10 ملايين قضيب شفاف موزعة بالتساوي على كل شبكية. 

-الأذن تسمع الموجات الصوتية التي تتحرك في سرعة قدرها 340 مترا في الثانية في الهواء و أن كلماتنا عبارة عن مجموعة متلاحقة من الموجات الصوتية تلتقطها الأذن ، حيث يمكن أن تسمع دقات ساعة اليد على بعد 7 متر  

–          حاسة اللمس يخدمها جلدك بالكامل عن طريق بليارات من الخلايا الحسية . 

–          حاسة التذوق لديك تغطيها 10 آلاف من خلايا التذوق في لسانك خاصة في حافة اللسان و مؤخرته و المقسمة كأجزاء عليه فكل جزء يتذوق أحد المذاقات الرئيسية و هي الحلو و المالح و المر و الحامض . 

–          حاسة الشم ترتبط خلاياها ارتباط مباشر بالدماغ و يخصص المخ 5% منه لحاسة الشم وحدها 

و الآن لنتحدث عن الحاسة الحركية التي هي الحاسة السادسة التي نقصدها . 

–          الحاسة الحركية : هي التي تعطيك القدرة مواقع مفصلك و الإحساس بعضلاتك من حيث شدها و جذبها و هي الحاسة التي تجعلك تحافظ على توازنك و هي الحاسة التي يتم إضعافها أو تعطيها مؤقتا في العمليات الجراحية ند التخدير ، أما عضو تلك الحاسة يتواجد في الأذن الداخلية . 

و لكن لهذه الحواس محدودية تقف عندها ، سنتعرف على هذه المحدودية ،، بعد الفاصل . 

***********فـــاصـــل ***************** 

قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله و أخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين و الله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لاؤلى الأبصار(13) آل عمران 

*************************************** 

للحواس ما يعرف “بمحدودية الحواس” و” خداع الحواس “ 

لكل حاسة من الحواس سابقة الذكر حدود لأداء وظيفتها ، فتتوقف هذه الوظائف بعد هذه الحدود يعنى في ال45 كيلو متر التي يمكن للعين أن ترى فيها لا ترى العين بعدها ، قس كذلك على بقية الحواس كل حاسة بقدرتها ، و لكن هنا يبزغ سؤال هام ، هل معنى ذلك أن الذبابة التي تمتلك عدد أعين اكثر بكثير من أعين الإنسان افضل منه ، أو الكلب الذي يمتلك قدرة شم بقدرات تمثل ثلث دماغه افضل هو الآخر من الإنسان . 

الإجابة بالطبع لا فمحدودية الحواس عند الإنسان نعمة من الله سبحانه و تعالى 

يقول الله سبحانه و تعالى (كل شئ خلقناه بقدر) ، و الله أعطاك تلك الحدود للحواس لتستطيع أن تعيش فمثلاً إذا كانت لديك حاسة سمع ضخمة جداً و بلا حدود ، كنت لتسمع عندها صوت حركة الجزيئات التي تتحرك في جسمك و في الهواء و هو صوت جبار ، مؤكد لن تتحمله ، و إذا كانت حاسة الإحساس لديك بلا حدود ستصرخ من الألم إذا وقعت عليك ذرات التراب أو حركة دقائق الحشرات التي تتجول على جسمك و أنت تسير في الشارع و لأنفت من شكل وسادتك لأن عليها حشرة الفراش المتناهية الصغر، خاصة إذا كنت تمتلك حادة إبصار جبارة ، و إليكم تجربة جرت في ألمانيا مرتبطة بموضوع محدودية الحواس و نعمتها 

” حيث جاءوا بشاب و ادخلوه غرفة محكمة الإغلاق و مبطنه بعازل صوتي قوي يمنع دخول أي صوت من الخارج مهما كان قوياً ووضعوا في هذه الغرفة كاميرات مراقبة و مستقبلات صوت ” ميكروفونات” و كرسي ، دخل صاحبنا هذا في الغرفة و جلس على الكرسي و أغلقت الغرفة و بعد دقائق ظهرت علامات الرعب على الشاب و بدأ يصرخ و يطرق على الباب بشدة ليفتحوا له ، لماذا حدث له ذلك ،، السبب بعد الفاصل 

 ***********فـــاصـــل ***************** 

“بسم الله ، توكلت على الله ، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو اظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل على”

 

*************************************** 

عدنا  

 ما حدث للشاب هو انه في ظل انعدام الأصوات الخارجية أصبحت أذنيه تسمع بحدها الأقصى فسمع أصوات حركة أمعاؤه و معدته ، هذه الأصوات في حد ذاتها مخيفة ، كأنها وحش يهم بالانقضاض عليه مما أصابه هذا الأمر بالرعب. 

خداع الحواس 

هناك مثل مشهور يحكى عن الشهر السائر في الصحراء ، الذي يتملكه العطش القاتل فيرى بحيرة ما من بعيد فيجري عليها فيكتشف أنها سراب ، و تجد الفيلم السنيمائي الذي تستمتع به و أنت تشاهده في السينما و تبكي لأحداثه الدرامية أو تضحك بصوت مجلجل يسمعه المارة خارجها لأحداثه الكوميدية و تشعر انك ضمن أبطال الفيلم و لا تعرف أن ما تشاهده هو عبارة عن شريط من الصور الثابتة التي تجري بسرعة معينة لا تستطيع عينك تعقبها فتشعر إنها تتحرك 

كل هذا يحدث بسبب ما يسمى بخداع الحواس 

فالحواس تخدعنا في بعض الأحيان فنشاهد أشياء و نشعر بها أو نسمعها على خلاف حقيقتها ، وخداع الحواس هذا مذكور مثل شهير عليه في القرآن  . 

في سورة “طه” في الآيات التي تتحدث عن الحوار بين سيدنا موسى عليه السلام و فرعون و سحرته 

 يقول الله سبحانه و تعالى : 

“قالوا يا موسى إما أن تلقى و إما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم و عصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) و ألقى ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد سحر و لا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقى السخرة سجداً قالوا آمنا برب هارون و موسى(70)” صدق الله العظيم 

نجد في هذه الآيات مثالاً عظيماً على خداع الحواس فسحرة فرعون كان سحرهم قائم على إيحاء الحاضرين بأن حبالهم تتحول إلى ثعابين و لكن حقيقة الأمر غير ذلك فالحبال كما هي و الثعابين كما هم ، الاختلاف الوحيد يكون عندما يلقوا بالحبال فيخدعون بصر الناس فيخيل إليهم أنها تحولت إلى ثعابين تسعى ، و هذه كانت قدرة خاصة يمتلكها السحرة وحدهم ، و لذلك كانت معجزة سيدنا موسى أقوى حيث أن السحرة فوجئوا بأن عصاه تتحول بالفعل إلى ثعبان ضخم و ليس الأمر خدعة حواس كما يفعلون فتيقنوا من صحة المعجزة و صحة ما يقوله موسى فخروا سجداً . 

 نجد مثال شهير على خدعة الحواس 

أتعرفون الساحر الأمريكي ” ديفيد كوبر فيلد” David Coberfild هل تتذكرونه؟ ، لقد ذاع صيته في فترة أواخر الثمانينيات أوائل التسعينيات ثم اختفى فجأة ، كان يبهر العالم باستعراضاته الغريبة ، فكان يخفى تمثال الحرية في نيويورك و جزء من سور الصين العظيم و يفعل أشياء تبدوا مستحيلة لدرجة انه أشيع حوله في مصر و البلاد العربية انه ” مخاوي جن” المهم ، هذا الرجل تتبعه بعض الصحفيين ” الشاطرين ” من أمريكا و الصين و اكتشفوا انه عندما يسافر لعمل استعراض في أي دولة فأنه يستأجر طائرة خاصة تنقل معدات تزن 100 طن وبعد التعقب و التحليل اكتشفوا أن كل استعراضاته تلك قائمة على خداع الحواس و الإيحاء و الإيهام فعندما يخفى تمثال الحرية ، نجد أن التمثال موجود في مكانه و لم يتزحزح ، لكن باستخدام تلك المعدات التكنولوجية ذات أل 100 طن هل تعتقد انه بها لن يخدع حواسك  باختفائه؟ (ده يخفيه و يخفي اللى نحته) . 

مما سبق يتضح لنا أن الحواس تؤثر على العقل الباطن تأثير برمجي غير مقصود هذا التأثير على محورين ، 

1- المحور الأول : حدود الحواس   2- المحور الثاني : خداع الحواس 

و أخيراً 

سنستخدم الحواس كثيراً في الحلقات القادمة و سنتعرف على عدد من التمارين منها تمارين الأيحاء و الاسترخاء و سنصنع سوياً الروابط الحسية التي بها نحاول أن نضع طريقة حسية للتحكم في عاداتنا السلبية ، فكونوا معنا و تابعونا إن شاء الله . 

و الآن أترككم مع بعض الصور التي تمثل عدد من نماذج خداع الحواس . 

أشكركم 

ووفقكم الله و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

تقديم : طارق الشرقاوي
أكاديمية نيرونت للتطوير و الإبداع
www.academy.neroo.netلمتابعة بقية المحاضرات من هنا :

 

اكتب تعليق من فيسبوك

تعليق