سحر الابتسامة

كنت في طريقي إلى عملي وكعادتي أحاول أثناء سيري ان أتفقد كل المحيط حولي الناس الشجر الأزهار العشب الأطفال وفجأة ألمح فتاة صغيرة عائدة من المدرسة إلى البيت تمشي بفوضى طفولية ملفتة .. تلبس لباس المدرسة بطريقة غير منظمة خصلات شعرها مبعثرة لقتتني براءتها فابتسمت لها فبادلتني الابتسامة وسار كل منا بطريقه فجأة سمعت صوت أقدام تركض بسرعة نحوي وتقول لي تفضلي .. إنها الفتاة نفسها مشت مسافة فشاهدت ورود برية جميلة على حافة الطريق وقررت أن تهديها لي .. كم كانت فرحتي كبير وكم شعرت بقيمة الإبتسامة  ..

هناك تعاريف كثيرة للإبتسامة  ولكن أهم واجمل تعريفين أعتقد أنهما يلخصان صفحات وصفحات مما يمكن  أن يقال  

الابتسامة هي لمسة الله في عالم المشاكل

الابتسامة  انحناءة  تستقيم بها كل  الأمور  

سحر الابتسامة

سحر الابتسامة

أهمية الابتسامة:

أثبتت الدراسات أن حاجة الاسان للابتسامة تضاهي حاجته للطعام والشراب وأن الكلمات المحملة بابتسامة حقيقية تصل بسهولة ولها تأثير على الدماغ فالابتسامة تسمح لآلاف  الخلايا الدماغية أن تتحرر وتنتعش وتسمح للشبكة العصبية المسؤولة عن ضخ الدم من القلب إلى الشعيرات الدموية في الوجنتين أن تتنشط وبهذا تتورد وجنة المبتسم أكثر من غيره بينما يحتقن الدم في وجه الغاضب احتقانا.

هل تدري ماذا يحدث معك لمجرد الابتسام؟

حين تبتسم تصبح أكثر تأثيرا بالآخرين فالشخص الذي يبتسم كثيرا يؤثر على الآخرين أكثر من الجدي بشكل دائم .

والابتسامة أحد أهم مقومات لغة الجسد حيث يتميز الانسان بأنه المخلوق الوحيد الذي يضحك ويبتسم . .

ان التعبير الذي على وجهك يمكن أن يغير مشاعرك ومفاهيمك . وقد ثبت أن الابتسامة أو العبوس يمكن أن يولد علاقات ومشاعر متبادلة .

كما أكد العالم النفساني روبرت زاجونك أن جريان الدم أثناء الحزن والغضب لا يمنع وصول الاوكسجين إلى الدماغ وحسب إنما يولد عدم توازن كيماوي من خلال منع وصول رسائل هرمونية حيوية .

والابتسامة ليس بالضرورة أن ترتسم على الوجه ، يمكن أيضا أن ترتسم على الحروف حين تكتب أو تلفظ .

والسؤال الآن كيف يمكن أن نبتسم في هذه الظروف القاسية الصعبة؟

وكيف للأم أن تمنح ابنها ابتسامة وهي تعاني العديد من الضغوط النفسية والجسدية والذهنية والعديد من الواجبات وكذلك الأب الذي يمضي وقته في العمل ليعود مثقلا بالهموم والمشاكل والتعب والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل والفتاة التي تبحث لها عن ركن أمان سواء في وظيفة أو دراسة كيف لكل هؤلاء أن يبتسموا  ..

والأهم   كيف يمكن أن ينشأ الطفل في جو خال من الابتسام جو متعب . صحيح أن الأهل يفعلون ما بوسعهم من أجل أبنائهم ولكن الضغوط جعلتهم ينسون شكل الابتسامة أو حين يبتسمون تظهر تلك الابتسامة المليئة بالتوتر والمصطنعة والتي يستطيع الطفل أن يدركها ويميز معناها .

ونتساءل حين يكبر ويستلم إحدى الوظائف ما بال هذا الشاب لا يبتسم ويعمل مثل الآلة (والتكشيرة تعلو وجهه )  ببساطة لأنه لم يعتد الابتسام ..

هل نستطيع أن نحول الابتسامة إلى عادة ؟

طبعا وهي واجب على كل أم حتى حين تود أن تحاور الطفل أن تعطيه مساحة خاصة وتفتح باب خاص للحوار معه وترفق عباراتها بابتسامة صادقة .

ما فائدة ان نقوم بجميع واجباتنا تجاه أطفالنا ونهتم بهم ونرافقهم الى انشطتهم ومدرستهم ونتابع دروسهم ومشاكلهم ونعودهم سلوكيات وكل ذلك بدافع الواجب .

ما فائدة أن يكون هدفنا من التربية  بناء شخصية طفلنا  المثالية بعيدا عن شخصيته الذاتية وهل ننكر أن جل ما نقوم به تجاه أبنائنا هو فقط من أجل نظرة المجتمع أو الآخرين فيقال هذا ابن فلان وهذه هي التربية الصالحة .. ماذا عن تلك الشخصية الخاصة بالطفل والتي تقبع خلف العديد من الستائر التي تمنعها من الظهور ..

كالخوف والقلق والحزن وقلة الثقة وكل ذلك ودون ان ندرك أو نقصد ننقله بحركة أو كلمة أو نظرة لطفلنا .

محبتنا لأولادنا يجب أن تتحرر من منطق الواجب وتدخل عالم الحب . ونتحرر من فكرة هذا ابني وأنا أمتلك كامل الحرية في توجيه حياته ..

وندرك أن هؤلاء الأطفال امانة غالية أكرمنا الله تعالى بها فعلينا أن نستعد دوما ليكونوا بأفضل حال دون ان نؤثر على نمو شخصيتهم الذاتية الحقيقية .

ونتعلم آليات بسيطة تمنحنا القدرة على جعلهم كما هم لا كما نريد

أما كيف وماهي الوسائل فهذا يتعلق برغبتنا الفعلية والحقيقية والتي تبدأ:

   1. هل فكرتم ان تأخذوا وقتا خاصا بكم:

في زحمة الحياة يعتقد الأهل أنه لا يحق لهم أن يهتموا بأنفسهم وليس من حقهم  أي شيء. التقيت بأمهات يبدو التعب واضحا على قسماتهم يتحركون بسرعة من مكان لآخر وينتقلون مع أبنائهم من نشاط لآخر بل ويشعرون بالذنب في حال حاولوا أن يقوموا بأي نشاط خاصا بهم  .

لن أنسى تعبير وجه تلك الأم حين قلت لها نود أن نقوم بنشاط تحفيزي بأقرب وقت ممكن فأجابتني بسرعة ودون تفكير لأي عمر؟ فأجبتها للأمهات والآباء .

نظرت الي بشرود  وأجابت بصوت خافت فعلا نحن بحاجة .

كيف سيصل ما نقوم به لابنائنا حين يكون خاليا من طاقة الحب مليئا بطاقة الضغط والألم .

ساعة في اليوم في أي نشاط خاص بك سيجدد الطاقة ويجعلك في كامل الجهوزية للعطاء .

     2. ليكن النشاط خياره هو:

تعمد الكثير من الأمهات لاقحام الأبناء بأنشطة كثيرة دون الأخذ بعين الاعتبار رغبة الطفل أو نوع الذكاء لديه او موهبته الخاصة .

ليس من الضروري ان يكون طفلي عازف بيانو اذا لم يرغب ولا يريد .

وليس من الضروري أن يتعلم الرسم في حال لم تتوافق مع ميوله الخاصة .

علينا أن نعلمه كيف يتعرف على ميوله وشغفه بالحياة ونعزز له تلك الموهبة . فبدون شغف لا يوجد نجاح او حتى استمرار

فالشغف : هي الوسيط الكيميائي الذي يحول الحلم إلى واقغ

    3. اختر يومك بنفسك :

لا يكفي ان ندعم موهبة الطفل بل علينا أيضا أن نعوده على اختيار يومه الخاص وهذا اليوم هو من يرسم ملامحه كيف يريد ويحب بشزط أن يكون يومه الخاص ويكون لكل طفل في البيت يوما خاصا  ولو مرة واحدة في الشهر  . وتكون مهمتنا خلال هذا اليوم الاستجابة له بكامل حواسنا وطاقتنا  يمكن حضور فيلم أو برنامج  مشترك ممكن مشاركته لعبة يحبها أو حتى جلسة اصغاء . أي شيئ يكون من اختياره الفائدة ستكون مضاعفة ليس فقط من ناحية الطفل بل أيضا الأب والأم سيشعران بالهدوء والرضى والسلام الداخلي .. وسيعطي فرصة لمعرفة الطفل واحتياجته من جهة ولمزيد من السعادة والابتسامة كي ترافقهم من جهة أخرى  .

    4. هل جربتم أن تبتسموا وأنتم في قمة الغضب والعصبية والانزعاج ..

جربوا كتمرين حين يشعر أحدا منكم بالحزن أو الغضب أن يعطي مساحة بسيطة للدماغ كي يهدأ ويعاود التفكير فلا تسيطر عليه مشاعر الحزن والغضب التي بدورها ستجعلنا نخسر الكثير من أحبائنا والاهم نخسر أنفسنا ..

وكم هي عظيمة تلك المبادرات التي تسعى لنشر الابتسامة ايمانا بمدى أهميتها وتأثيرها على الحياة ككل وعلى السعادة وأكثر ما نسعى لتحقيقه في الحياة .

لنجعل من الابتسامة سلوكنا الدائم حين نستيقظ وقبل أن ننام وفي كل لحظة من لحظات العمر .

فللابتسامة سحرها الخاص .. وجمال يعكس الرضا والهدوء والسلاااااام .

وتذكر على كل الأحوال نحن نمضي هذا العمر بحلوه ومره فاما أن نقضي حياتنا بتوتر وأسى وحزن وألم ونتعرض لكثير من الضغوط النفسية والتي حكما ستنعكس على جسدنا أمراضا وآلام .أو أن نحاول ان نعطي أنفسنا مساحة من الهدوء والسلام وبالتالي قدرة على التفكير السليم وخيارات واسعة ..

قصة عن سحر الابتسامة

وهي احدى القصص الجميلة التي سأختم بها .

“اذا أردت استطعت “

سيدة ستينية اضطرتها ظروف الحرب أن تترك منزلها وحياتها بالمجمل وتنتقل للعيش في محافظة أخرى .. لم تكن تلك الظروف القاسية سببا في احباطها أو يأسها بل على العكس كانت سببا لتفكيرها بمنطق الحياة ومنطق الأمل الذي لا يمكن أن يفكر به الكثيرين .

ما فكرت به  كيف سأبدأ عمرا جديدا ..وفعلا قادها أملها وحبها للحياة وتفاؤلها لأن تتقدم لامتحانات الثانوية العامة وتنجح وتختار فرعا جامعيا تحبه وتتمنى أن تتابع به ..

وكانت حديث الساعة فالجميع هلل لها واحتفل بها .

وبعد عام وبالصدفة التقيت بهذه السيدة في أحد الأماكن والطموح والأمل مازال يغزو قلبها وروحها وحدثني بفرح عن تجربتها حتى الصعوبات التي تواجهها لم تكن سوا حافزا لها لتستمر وتثبت للجميع أن الحياة تستحق أن نقف لها وقفة حب وتفاؤل ..

فالت لي أنا أتعرض لكثير من المضايقات والعبارات المؤلمة ومع ذلك لا اجد أقوى من الابتسامة والأمل لقهر كل تحدي والمضي قدما . ماد مت لا أؤذي أحدا و أعمل ما أحب لن أتوقف وسأتابع طريقي ..

حياتنا هي ذلك الإرث الغالي الذي يحكي حكايتنا . فلنسعى كي يكون عظيما

ولنتذكر تلك المقولة الجميلة

” سنتعلم كثيرا من دروس الحياة حين نعلم ان رجال الإطفاء لا يطفئون النار بالنار”

ريم خضور – خاص نيرونت

اكتب تعليق من فيسبوك

تعليق