تجربة المارشميلو، وفرصك الضائعة


تجربة المارشميلو، وفرصك الضائعة
تجربة المارشميلو، وفرصك الضائعة

تجربة المارشميلو، وفرصك الضائعة

مرت هذه السنة الذكرى الخمسون لواحدةٍ من أهمّ الاختبارات المتعلّقة بالسلوك البشري. إذ قام والتر ميشيل، الباحث النفسي في جامعة ستراتسفورد، باختبار المئات من الأطفال بين سنّي الرابعة والخامسة. وكانت التجربة جزءاً من بحثٍ أوسع بكثير. دون أن يخطر في باله أنّ “تجربة المارشميلو”، ستقوده وغيره من الباحثين لاحقاً إلى أبحاث أكثر تركيزاً حول القدرة على ضبط النفس.

ملخّص التجربة

عُرض على كلّ طفل على حدة، صحنٌ فيه قطعتا حلوى، وطلب منه أن يختار بين أخذ واحدةٍ فوراً، أو أخذ اثنتين بعد ربع ساعة. قليلون هم الذين رضوا بقطعةٍ واحدة من البداية، إذ آثر أغلب الأطفال الانتظار. لكن ثلثهم فقط نجح في الانتظار كفايةً للفوز بالجائزة الكبرى. وأما الباقون فقد استسلموا بعد دقائق.

النتائح التي قادت لها التجربة

وكان هدف التجربة هو معرفة الوسائل التي يستخدمها الطفل لتشتيت انتباهه عن شيءٍ ما. لكن والتر ميشيل ذهب أبعد من ذلك بكثير. إذ تعقّب لاحقاً قسماً من الأولاد ليرى أداءهم. فوجد أن أغلب الذين رضوا بقطعةٍ واحدة، كانوا الأقل انضباطاً، إذ عانوا من مشاكل خلال دراستهم، وربما عانوا من السمنة والإدمان. وأما الذين لم تثنهم قطعة الحلوى الأولى عن الفوز بالأخرى، فقد كانوا الأكثر تفوقاً في أدائهم، والأكثر نجاحاً حتى بعد ثلاثين سنة.

ماذا لو أخضعتك للتجربة ذاتها؟

قد تقول في نفسك: أنا أبعد ما يكون عمّن يرضون بقطعة حلوى يتيمة. أو تقول: لن تثنيني الحلوى عن أهدافي البعيدة. لكن مهلاً. دعني أناقش التجربة معك صديقي، لأثبت لك أنك تفعل العكس. وأنك تضحّي بالنفيس، وأنت تتناول قطعة حلوى يتيمة هنا، وقطعةً هناك. وإليك الدليل:

قطع الحلوى الوهميّة

ماذا فعلت اليوم أول ما استيقظت؟ فتحت الجوال من غير ضرورة ملحّة: قطعة حلوى. شغّلت التلفاز لتشاهد الأخبار: قطعة حلوى. فتحت شاشة الحاسوب لتقرأ ال “بي بي سي”: قطعة حلوى. بريدك الإلكتروني: قطعة حلوى. الفيسبوك والوتساب و ”كيفك ياحلوة؟”: قطع حلوى متفرّقة.

لن أطيل عليك، فنصف حياتك تضيع وأنت تلتقم طُعماً تلو آخر، تلهيك عن عملٍ يفيدك أو معرفة تزيدك. إن فكرت قليلاً معي بنزاهة، ستجد أنّك تفوّت على نفسك ساعاتٍ يومياً تذهب هباءً دون حكمة.

فماذا عن قطع الحلوى المؤذية؟

وماذا بعد وابل قطع الحلوى التي تلهيك عن واجباتك؟ ما هي قدرتك على التضحية ببعض الدّعة من أجل تجنب مكروه تحذره؟ هل بوسعك أن تقول لصديقٍ قديم دعاك إلى السهر معه في لعب النرد: اعذرني؟ وهل تستطيع أن تقول لزوجتك إذا دعتك إلى وجبةٍ دسمة تخلو من الخضار: اعذريني؟ وهل تستطيع أن ترفض إغراء لفافة تبغٍ مع فنجان قهوة دعاك زميلك في العمل إليهما؟

وماذا عن الجوائز التي حرمت نفسك منها؟

دعنا من ذلك كله. فهل بوسعك التضحية ببعض الراحة من أجل الفوز بما تصبو إليه؟ هل تستطيع مقاومة إغراء دفء الفراش في يومٍ باردٍ من أجل النهوض باكراً يوم عطلة؟ وهل بوسعك إلزام نفسك على الخروج لممارسة الرياضة في الطبيعة في يومٍ عاصف؟ وهل تتردد في أخذ وجبة غداء نظيفة معك من البيت يكلّفك إعدادها ربع ساعةٍ، لتجنب شراء وجبةٍ جاهزة، يعينك توفير ثمنها في استثمار ينفعك، أو في وجهٍ للخير؟

ما قيمة هذه الأشياء السخيفة التي تتحدث فيها؟

لا يا صديقي. إذا ما جمعتها ستحصل على جبالٍ من الفرص الضائعة. الفرق بين الذين جاهدوا أنفسهم حتى نالوا جائزتهم من الحلوى، وبين الذين زهدوا فيها لم يكن قليلاً. والفرق بينك إن تابعت حياتك كما بدأتها، وبينك إن أصلحت سيرتها لن يكون قليلاً. لا تستبدل الأدنى بما هو خير، ولا تبخس نفسك في نزواتٍ عابرة. كن واعياً لما يلقى في طريقك كلّ دقيقة، واجعل أهدافك أسمى. لتفوز بما هو أبعد من قطع الحلوى.


اعجبك ؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1.5k مشاركات
mm

مهندس ومصمم غرافيك مهتم في الكتابة والانفوغرافيك المتعلقة بتقويم وبناء الذات بما يخدم المجتمع العربي