ما أبخل القلب البشري؟

مع أنني أفضّل طلوع الدرج إلى منزلي في الدور التاسع، ولا أستخدم المصعد إلا للضرورة، فقد صادفت تلك السيدة مع كلبها مراتٍ كثيرة. لفت انتباهي تجاهلها للناس من حولها، مؤثرةً كلبها المحمول على صدرها. تمسح على ظهره وتحنو عليه تارةً، وتهمس بأذنه وتقبّله في وجهه تارةً أخرى، تماماً كما لو كان وليدها.
تُرى، ما الذي يجعل من بعضهم ينطوون على أنفسهم وعلى حيواناتهم الأليفة بهذا الشكل؟
ربما تعرضت لصدمةٍ نفسية أليمة. ربما فقدت أمّاً أو أختاً أو حبيباً أو ابنة، وحين أصبح فؤادها فارغاً، وجدت في كلبها ما يعوّض عليها بعض حبّها الضائع، فراحت تقدّمه له على أحسن ما يكون.

الدّرس

صنيع هذه المرأة مع كلبها الصغير يعطينا درساً مهمّاً: الحبّ ضروريّ للبقاء، كالهواء والماء والدواء. والحبّ نحتاجه ولا يحتاجنا. لا تحاسبِ الآخرين على برودة مشاعرهم أو قلة اهتمامهم، ولا تتمنّن عليهم بعظيم حبّك، فأنت من تحتاج العطاء بالحبّ، وبدونه تغدو حياتك بائسة.
ولا تسخر من الذين بذلوا حبّهم لحيواناتهم الأليفة، ولا تعتقد بسخافتهم. فلعلّهم أعقل مني ومنك، لأنهم أدركوا أنهم من غير الحبّ لن يستطيعوا الاستمرار. وكم منّا من يكابر ويُعرِض ويبخل بإبداء مشاعره، ظاناً أنه بذلك يبدو أقوى أو أغنى؟! عن جهلٍ أو ضعفٍ لا عن حكمة، لأن نشأته (أو نشأتها!) الذكورية غلبته.

الحبّ عطاء

وإن ظنّه بعض الأغبياء مقايضة. وبهذا العطاء نحيا وفي أجوائه نُزهر وفي نوره نبدع. ومن دونه نعيا ونذبل. غير أن بعضهم يؤثرون الصمت والموت غمّاً، على تقديم بعض الودّ من غير مقابل. يتصنّعون الكبرياء خشية أن يسيء الناس فهمهم، فتصبح حياتهم يابسة، لا روح فيها ولا عطاء. ولو أنهم نظروا حولهم لوجدوا أكثر الناس يتعطشون إلى قليلٍ من الودّ تحيَا به أرواحهم وتهفو إليه قلوبهم. فمن منا لا يتوق إلى كلمةٍ تُسعده، أو تشجيع يؤيّده أو مصافحةٍ تُؤازره، أو ابتسامةٍ تُؤنسه؟!
صديقي، لا تتأفف من والدتك إن بالغت في السؤال عنك، ولا تنهَ أختك إن تطلّبت، ولا تلُم زوجتك إن غارت فسألتك عن كلً صغيرة وكبيرة تتعلّق بك، لأنهم يحبّونك. قد تنظر يوماً ما حولك، فلا تجد من دفء حبّهم ما يقيك برد الوحشة. يومها، ستسأل عن الأحبّة بعد أن خاب ظنّهم، حتى بعُدوا فما عدت تراهم.
من منا لا يتوق لكلمة حبّ؟
الفرق بين الجوع والشبع: رغيف واحد. الفرق بين التعاسة والسعادة: ودّ كائن واحد من بين بلايين سكان الأرض
ومع ذلك، يموت الناس جوعًا! ويموتون غربة! ما أبخل القلب البشري!
غادة السمّان – من الوريد إلى الوريد

الحبّ نعمة

أكبر نعمة أن تجد نفسك محاطاً بأحبابٍ يتوقون إلى مجالستك. أبخل الناس من بخل بوقته على أحبّته. الوالدان نعمتان زائلتان، إياك أن يكون نصيب سمّارك من صحبك خيراً من نصيبهما منك. الزوجة والأولاد، لازمهم ولا تفرّط في حقوقهم. الأقارب والأصحاب، لاطفهم واعطِ كلّ ذي حقّ حقّه من وقتك، من غير إفراط أو تفريط. فالإنسان يألف ويؤلف. واعلم أنك حصيلة أقرب خمسة أصدقاء إليك، فاخترهم بدقّة. وليكن أثرك في الناس أبلغ من أثرهم عليك، ولن تنال ذلك إلا بالحب.
من كان له حبيبٌ فليغبط نفسه وليشكر ربّه، لأن الحبّ بضاعةٌ نفيسة لا يعدلها مال أو متاع. مهما ظننت أن مسؤولياتك في الحياة تشفع لك انشغالك عن أحبّتك، فأنت مخطئ. في لحظة غفلة ستغيّبهم الأقدار عنك، تاركين إياك تقاسي وحشة الوحدة وأسى الندامة. أكثر ما يندم عليه الإنسان آخر عمره، هو أخذه الحياة وتفاصيلها بجدية زائدة شغلته عن الاستمتاع مع أحبّته.

النتيجة

بادر صديقي إلى الخروج من وحدتك. تودّد للناس كلّهم في منزلك وحيّك ومكان شغلك. تآلف مع الناس ومع الوجود من حولك. إن أردت آخر العمر أن تتحاشى يوماً تضطر فيه لجلب جروٍ تغدق عليه من حبّك.

اكتب تعليق من فيسبوك

تعليق