هل تظن أن كل ما تتذكره حقيقي؟ علم النفس يجيبنا


«الذاكرة شيء معقد؛ قريبة من الحقيقة، لكنهم ليسوا كالتوأم»

مقولة للروائية باربرا كينغسولفر.

هل خرجت يومًا من حفلة ما وبدأت تصف بعدها كم كان المضيف فظًا معك؛ ثم نظر إليك صديقك باستغراب ووصف لك عكس كلامك بأنه كان طيب وودود؟

هل تعتقد أن ذكرياتك محفورة بذهنك حقًا؟ حسنًا؛ تقول الدراسات عكس ذلك، فالذاكرة يمكن التلاعب بها بسهولة وبشكل لا يصدق، ومن خلال هذا المقال سنتعرف سويًا على كيفية حدوث ذلك.

 

تأثير راشومون

هي ظاهرة تحدث عندما يتذكر كل منا الأحداث بطريقة مختلفة. وهذا كان اسم لأحد أفلام المخرج  «أكيرا كوروساوا» عام 1950؛ والذي يروي قصة ساموراي قُتل بطريقة غامضة، وعندما سألوا أربعة من الشاهدين عن كيفية قتله؛ أجاب كلًا منهم بشيء مختلف عن الآخر.

أما زوجته فقالت أنها اغتُصبت على يد العصابة حتى غابت عن الوعي؛ ثم أفاقت لتجد أنه ميت. أما العصابة قالت أنّه خدع زوجته؛ ثم حاربهم حتى توفى، وكان هناك قاطع خشب قرب الواقعة؛ والذي قال أنّه شاهد القتل والاغتصاب، لكنه بقي بعيدًا عنهم. أما شبح الساموراي فقد تكلم أيضًا وقال أنه قتل نفسه.

وطبقًا لتأثير راشومون؛ فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: من منهم يحمل الراوية الصحيحة عن الأحداث؟ وليس من هو الصادق في كلامه!

 

عفوًا؛ خطأ بالذاكرة!

بالطبع في عالم الجرائم الحقيقي؛ يكون هناك تفسير واحد للأحداث، وفي الواقع ذاكرة الإنسان تستند إلى روايات متضاربة لا يمكن الاعتماد عليها.

أظهرت الأبحاث أن زرع ذكريات كاذبة يمكن أن يكون بسيطًا مثل سؤال شخص ما عن حدث لم يحدث. والأكثر من ذلك أنّه في كل مره تتذكر فيها شيئًا فأنت تعيده وترسخ له أكثر بدماغك حتى وإن احتوى على الأخطاء.

فحينما تتذكر الأحداث التي تحتوي على أخطاء؛ ستعمل على تقوية وتثبيت تلك الأخطاء لديك؛ في حين أنك تظن أن هذه هي الحقيقة. ولهذا السبب كانت ذاكرة الأشخاص بشأن حادث الساموراي مذبذبة خصوصًا مع إعطائهم الاحتمالات المناسبة من قبل المحققين، مما ساعد أكثر في زرع  ذكريات مبالغ فيها وغير صحيحة لديهم.

اقرأ أيضاً: علميًا: دعك من الهاتف واكتب ملاحظاتك اليومية بيدك

ذكريات مكبوتة

كانت فترة التسعينات فترة مخيفة لعلم النفس، فالعديد من المعالجين آمنوا بفكرة أن التجارب الصادمة يمكن أن تنتج ذكريات مكبوتة. ذلك النوع من الذكريات التي تبرز فقط من خلال العلاج، لكن عندما بدأ المرضى بالتعامل مع تلك الذكريات؛ قاموا باتهام العديد من الأشخاص؛ مثل آبائهم وأمهاتهم وأحبائهم على ذكرياتهم السيئة معهم.

حينها أدرك البعض أن تجارب الذكريات تلك تعتبر وهمية، ورُفعت دعوى ضد هؤلاء المعالجين لسوء ممارستهم المهنة. في الوقت نفسه؛ بدأ الباحثون؛ مثل «إليزابيث لوفتوس» في جامعة ستانفورد بالتحدث ضد فكرة الذكريات المكبوتة؛ لافتين إلي أنّه لا توجد أدلة علمية على وجودها. فكان المعالجون يزرعون الذكريات الكاذبة بعقول مرضاهم.

 

زراعة الأوهام

أوضحت دراسات «لوفتوس» إلى أي مدى تبلغ سهولة عملية زرع ذاكرة كاذبة بعقل المريض. حيث قامت هي وفريقها بعمل كتيبات تضم قصتين من طفولة كل المشاركين كما روى أحد الأقارب، بالإضافة إلى قصة خاطئة عن المشارك. ثم طُلب من المشاركين كتابة ما الذي تذكروه عن كل حدث؛ أو إذا لم يتذكروا شيء على الإطلاق.

بعد ذلك؛ حضروا مقابلات متابعة حيث طلب منهم إعادة تسجيل الأحداث مرة أخرى. وزعم ما يقرب من ثلث المشاركين أنهم يتذكرون الحدث المزيف مباشرة بعد قراءته في الكتيب، واستمر ربعهم في تذكره في مقابلات المتابعة.

 

دراسات أخرى:

كان لدى باحثين آخرين نتائج مماثلة؛ حيث قام باحثون في جامعة واشنطن الغربية بإجراء تجربة على الطلاب؛ والتي أوضحت نتائجها أن 20% من الطلاب تذكروا حفلة عيد ميلاد لم تحدث أبدًا، و18% تذكروا موقف محرج لحفل زفاف في المقابلة الثانية بعدما عجزوا عن تذكر تلك الذاكرة الكاذبة في المقابلة الأول.

 

أكثر ما يثير القلق هي تلك الدراسات المتعلقة بما يحدث عندما تطلب من شخص ما أن يتخيل حدثًا لم يحدث أبدًا. وهي ممارسة شائعة في علم النفس السريري. وقد وجدت إحدى الدراسات التي طلبت من المتطوعين تخيل حدثًا لم يحدث قط، أنه عندما سئلوا بعد اسبوعين عن الحدث؛ اعتقد ربعهم أن الحدث حدث بالفعل.

 

كيف يتم خداعك ؟

وفقا لـ «لوفتوس»؛ فإن الذكريات الكاذبة تتشكل بسهولة إذا توفرت لها ثلاثة عوامل لحدوثها، وهذه الثلاثة عوامل هي:

  1. ضغط لاستدعاء الذاكرة.
  2. تشجيعها من أجل تصور ما يمكن أن يحدث.
  3. معارضة لاستجواب أو استرجاع الحقيقة من الذكريات.

كل من هذه العوامل الثلاثة تلعب دورًا في مجموعة متنوعة من الحالات ذات المخاطر العالية مثل؛ الاستجوابات الجنائية، والعلاج النفسي. وبالمثل؛ فإن طريقة الاحتمالات حول الأحداث التي لم تحدث؛ يمكن أن تشوه ذاكرتنا. لهذا يجب أن ننتبه كمستهلكين لوسائل الإعلام فيما تعرضه؛ حيث هذا هو سبب مايطلق عليه اسم “الأخبار الوهمية”؛ وهو شيء خادع جدًا لأنه قد يخلق ذكريات فعلية تصعب إزالتها لاحقًا. والسؤال هنا: كيف تحمي نفسك وذكرياتك الثمينة من كل هذا العبث؟

يمكننا القول بأن الإجابة بسيطة جدًا؛ وهي أن تكون على علم بتأثير راشمون، واقتناع تام بما يمكن أن يتسبب في حدوثه، وبأن عقلك يمكن أن يتم التلاعب به وخداعه بسهولة  أكثر مما كنت تتوقع. لذا، في المرة القادمة التي يحدث فيها أن تكون مع صديقك أو أحد معارفك في طريقكما لسرد وتذكر حدث قديم أو حفلة ما وتنتهي بكم المحاولة بأن تختلف روايتكما عن أي جزء فيها أو فيها ككل؛ لن تستغربا الأمر على الإطلاق، فأمور كهذه تحدث مع الذاكرة يا رفاق. إنّها المُلامة وليس انت أو حتى مُحدثك!

اقرأ أيضاً: الخلط في العناوين النفسية خطأ لا يغتفر


    اعجبك ؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

    5.8k مشاركات