“الإيكيجاي” فلسفة يابانية لمعرفة معنى الحياة


"الإيكيجاي" فلسفة يابانية لمعرفة معنى الحياة

لطالما تساءلنا ما الذي يُميّز الشعب الياباني حتى نجده من الشعوب التي يُضرب بها المثل في الانضباط والتطور والتقدم من جهة، والعيش لسنوات طويلة من جهة أخرى، لدرجة أصبحنا حول العالم نسميه “كوكب اليابان”، في إشارة إلى مدى التطور الذي وصل له هذا البلد العظيم. وفي نفس الوقت نتساءل أيضاً، ما السبب الذي يجعل الشعب الياباني يعيش لعمر أطول، وسنوات مليئة بالسعادة؟، ما السر وراء هذا الضحكة التي ترافقهم طوال سنوات عمرهم؟..

بحثنا عن الإجابة فوجدنا أن الشعب الياباني يتبع فلسفة معينة في تفاصيل حياته، ألا وهي “فلسفة الإيكيجاي”. فماهي هذه الفلسفة؟ وعلى ماذا تقوم؟، وكيف استطاعت أن تغير حياة شعب بأكمله ليعيشوا سنوات مليئة بالفرح والسلام الداخلي.

ماهي فلسفة الإيكيجاي؟

هي كلمة مأخوذة من فلسفة يابانية قديمة تعطيك مفتاح السعادة والهدف لوجودك في الحياة. تتألف الكلمة من مقطعين: Iki وتعني “الحياة”، وgai ومعناها “قيمة أو معنى”، ليصبح تعريف هذا المصطلح “معنى الحياة”. وتستخدم كلمة إيكيجاي في اللغة اليابانية في عدة سياقات، ويمكن استخدامها للأحداث البسيطة اليومية وللأهداف والإنجازات الكبرى. لتكون الإيكيجاي هي الوسيلة التي تجعلك تستيقظ في كل صباح وأنت ممتن لوجودك في هذه الحياة، وتناضل من أجل البقاء على قيد الحياة، وتجد الفرح في كل شيء حولك.

ووفقاً لما يقوله اليابانيون، فإن الإيكيجاي هو سر الوجود بداخل كل منا، بمعنى أن لكل إنسان إيكيجاي خاص به، البعض استطاع إيجاده والبعض الآخر يعلم أنه موجود لكنه لم يتمكن من إيجاده بعد، وعندما يتمكن الإنسان من اكتشاف هذا السر المخبأ بداخله سيشعر بداخله حالة من الرضا والسعادة والامتنان لوجوده في الحياة.

مخطط فلسفة الإيكيجاي

Ikigai dimo "الإيكيجاي" فلسفة يابانية لمعرفة معنى الحياة

حتى نتعرف أكثر على هذه الفلسفة ونفهم أسرارها، يجب علينا أن ننظر إلى مخطط الإيكيجاي، ويعرض هذا المخطط الجوانب الرئيسية الأربعة الموجودة فيك، وهي ماذا تجيد عمله؟، ماذا تحب؟، ما يحتاجه الآخرون منك، وما يمكنك عمله وتأخذ أجراً مقابله وهو (المال).

وعندما تعرف هذا المفهوم وتجيب على الأسئلة الأربعة سيصبح من السهل عليك أن تكتشف الهدف الذي وجدت من أجله في الحياة، وما الذي تسعى لتحقيقه، وماهو سر وجودك على هذه الأرض، وما الدور الذي تلعبه في الحياة، وبالتالي كيف تكون مرتاحاً في تأدية هذا الدور. ومن ناحية أخرى عليك أن تحافظ دوماً على التوازن الصحيح بين كل هذه الجوانب في حياتك.

أهمية فلسفة الإيكيجاي

على مدى سنوات طويلة بحث الكثير من العلماء والصحفيين في الفائدة التي تحققها لنا فلسفة الإيكيجاي والحقيقية الكامنة وراء هذه الظاهرة، ليتوصلوا إلى العديد من الاستنتاجات المثيرة للاهتمام. ويمكن تلخيصها جميعها في جملة واحدة: فلسفة الإيكيجاي تجعلك تعيش حياة أطول مليئة بالسعادة والرضا.

في سبتمبر من عام 2017 اشترك برنامج تلفزيوني ياباني شهير مع مجموعة من العلماء لإجراء بحوث في بلدة Kyotango اليابانية الصغيرة، وفي هذه القرية يفتخر السكان بوجود عدد أشخاص تجاوز عمرهم المائة عام، وبمعدل يفوق بثلاث مرات المعدل الموجود في كل اليابان!.

أراد البرنامج أن يعرف ما هو المشترك بين هؤلاء المسنين السعداء في حياتهم اليومية، لذلك قاموا بمتابعة سبعة أشخاص أعمارهم في أواخر التسعينيات وأوائل المائة من الصباح حتى الفجر، وأجروا لهم فحوصات دم وفحوصات طبية أخرى.
وما وجدوه كان مثيراً للاهتمام، حيث أن جميع الأشخاص ظهرت لديهم أرقام عالية بشكل استثنائي من DHEA، وهو هرمون “الستيروئيد” الذي تفرزه الغدة الكظرية ويسميه الكثيرون “هرمون طول العمر”.
وعند متابعة هؤلاء الرجال والنساء من حولهم، وجدوا شيئاً واحداً مشتركاً بينهم جميعاً، ألا وهو وجود هواية يمارسونها كل يوم، حيث شوهدت امرأة في أواخر التسعينيات تقضي بضع ساعات كل يوم في نحت الأقنعة اليابانية التقليدية، ورجل آخر يقوم برسمها، وسيدة أخرى تذهب للصيد يومياً.

وبناء على كل ذلك اقترح البرنامج وجود هذا الشيء الذي يبقيك مهتماً ومركّزاً ويمنحك شعوراً بالرضا في الحياة، قد يعزز شبابك ويرفع مستوى هرمون الـ DHEA لديك، مما يؤدي إلى حياة أطول وأكثر سعادة.

لكن ما سبق لا يعني أبداً أن هذه الفلسفة مرتبطة فقط بالمسنين، بل في الواقع تؤكد الدراسات على أنها تحقق شعبية كبيرة بين فئة الشباب في اليابان وحول العالم أيضاً، وتحظى باهتمام كل من يبحث عن المعنى الحقيقي لحياته.

Ikigai ph "الإيكيجاي" فلسفة يابانية لمعرفة معنى الحياة

مبادئ فلسفة الإيكيجاي

باختصار إن الهدف من فلسفة الإيكيجاي، هو السعي لتحقيق التوازن المثالي بين احتياجاتك في الحياة، وتكيّف حياتك المهنية بشكل يضمن لك تحقيق ذاتك وأهدافك وسعادتك، دون اشتراط نوع المهنة، الهدف فقط أن تكون “سعيداً وتحقق ذاتك وتكون حقيقياً”. فمبدأ هذه الفلسفة يقوم على أنك تحترم ذاتك وتعرف أهمية وجودك في الحياة، هذا الأمر يجعلك تبحث عن العمل الذي تجيده وتحقق من خلاله ذاتك وتقوم به بمتعة وسهولة، فتكون النتيجة سعادتك وراحتك.

كما تعطي هذه الفلسفة أهمية كبيرة للوقت، فهي تؤمن أن الوقت لا يمكن العودة به إلى الوراء، لذا يجب استغلال كل لحظة تعيشها بفعل أمور تحبها وتُشعرك بالسعادة والفرح. ولا يوجد لديهم شيء يسمى “وقت التقاعد”، فهم يجدون أن لكل مرحلة عمرية نشاطات لطيفة تناسبها، لذا يجب الاستمرار في الحركة والنشاط والعمل حتى آخر لحظة من العمر، وذلك هدف الحفاظ على صحة الجسم ومرونة العضلات.

من ناحية أخرى تهتم هذه الفلسفة أيضاً بموضوع التغذية الصحية، فهي تؤمن بأنه يجب تحقيق التوازن في الغذاء من خلال استهلاك كميات متساوية من الفيتامينات والمعادن والعناصر المغذية للجسم، والاعتماد بشكل أكبر على المكونات الطازجة.

أما الابتسامة فهي الصديق الدائم لكل الشعوب التي تتبع فلسفة الإيكيجاي، وبأي وقت تقابلهم تجدهم يبتسمون في وجهك، حتى لو كان لديهم الكثير من الهموم والمشكلات، نراهم يواجهونها بابتسامة عريضة وثقة كبيرة بقدرتهم على تجاوز كل الصعاب. فهم يعرفون أن العقل لا يفرق بين الابتسامة الحقيقية والابتسامة المصطنعة.

وكانت هذه الابتسامة إحدى قوانين الإيكيجاي التي لاحظها الصحفي الإسباني “فرانسيس ميراليس” خلال زياراته العديدة لجزيرة أوكيناوا اليابانية ولاحظ اللطف غير الاعتيادي والفرح الدائم لهذا الشعب. مما دفعه لنشر كل ما يتعلق بهذه الفلسفة في كتابه “إيكيجاي: أسرار اليابان لحياة طويلة وسعيدة”، والذي ألفه مع صديقه “هيكتور غارسيا” المقيم في اليابان وذلك في عام 2016.

ومن المبادئ الأخرى التي تعتمد عليها أيضاً فلسفة الإيكيجاي هو التفكير الإيجابي بشكل دائم، وعدم القلق بشأن أي شيء سواء في الماضي أو المستقبل، فهم يعيشون اللحظة الحالية ويستمتعون بها بكل تفاصيلها. ويركزون على ممارسة التأمل بشكل دائم والبقاء على اتصال بالطبيعة الأم والشعور بالفرح والامتنان لكل ما تقدمه لنا من عطايا.

أين تُمارس فلسفة الإيكيجاي؟

أوكيناوا هي عبارة عن سلسلة من الجزر تقع قبالة الساحل الجنوبي الغربي لليابان، وتُعرف هذه الجزيرة بأن حوالي ثلثي سكانها مازالوا يعتمدون على أنفسهم في كل نشاطات حياتهم، رغم أن أعمار معظمهم قد تتجاوز المائة عام.

وعندما تسأل سكان هذه الجزيرة عن سر حياتهم الهادئة وسعادتهم الدائمة، واستيقاظهم بنشاط وحيوية في كل يوم وكأنه أول يوم في حياتهم، والسر في حفاظهم على صحتهم وقوتهم، تكون إجابتهم أن السر هو “الإيكيجاي”!.. فهم قد وجدوا الهدف الذي يعيشون من أجله واكتشفوا أين يكمن شغفهم في الحياة، وهذا الهدف هو ما يحفزهم ليعيشوا حياة أطول ويحافظوا على صحتهم حتى يصلوا لما يريدون.

من هنا فإن هذه الجزيرة يعتبرها الكثيرون الموطن الحالي لفلسفة الإيكيجاي، بالإضافة لعدة دول أخرى مثل إيطاليا واليونان.

كيف أجد الإيكيجاي الخاص بي؟

find your Ikigai "الإيكيجاي" فلسفة يابانية لمعرفة معنى الحياة

أحد أكبر الأخطاء التي نرتكبها في حياتنا هي اعتقادنا أن المال هو الوسيلة الوحيدة التي تجلب لنا السعادة وتجعلنا أشخاصاً مؤثرين في الحياة، وهذا بكل تأكيد أمر غير صحيح. ابحث عن الأمر الذي تجد نفسك شغوفاً به، ثم أوجد الوسيلة للتعبير عن هذا الشغف. وهنا يمكننا أن نذكر عملاق التكنولوجيا “ستيف جوبز” والذي كان شغوفاً بالتفاصيل الدقيقة، ومحباً للحرفية والتقنية، وكانت المنتجات التي أطلقها هي وسائله للتعبير عن شغفه.

سواء كان شغفك هو الرسم أو الموسيقى أو القيام بالأعمال اليدوية البسيطة، ابحث عن هذا الشغف لتخرج أجمل ما فيك من حب وإبداع وتجد المعنى الحقيقي لحياتك.

وأخيراً نقول أن الإيكيجاي تكمن داخل الأشياء الصغيرة والبسيطة، وعليك أنت أن تجدها في نسمات الصباح الهادئة، مع سماعك لصوت زقزقة العصافير، بوجود عائلة تحبها، في فنجان قهوة، في أشعة الشمس وضوء القمر، في تناول طعام يمنحك الشعور بالسعادة، وحتى في مديح تلقيته من رئيسك في العمل. كل ما سبق له نفس الأهمية، وكله يُعتبر أمثلة عن أمور كثيرة في الحياة وجودها له قيمة ومعنى كبيرين، وكل ما علينا هو أن نشعر بأهميتها حتى نقدر قيمتها ونستمتع بها.

والأهم من كل ذلك أن نعرف قيمة أنفسنا وأهمية وجودنا في الحياة، لذا وبدءاً من اليوم ضع لنفسك نظامك الحياتي الخاص، احرص على تناول طعام صحي، مارس الرياضة بشكل منتظم، وإذا واجهت الضغوط فقابلها بابتسامة وثقة بنفسك وبقدرتك على تجاوز كل المصاعب، وبذلك ستصل للنجاح الذي تسعى إليه، وكن من الأشخاص الذين يعتبرون أن كل شيء في الحياة له قيمة وأهمية وتذكر دوماً..
“إذا وجدت المتعة والرضا في ما تفعله وكنت جيداً في ذلك، فتهانينا فقد وجدت الـikigai ” الخاص بك!.

 

 

 

 


اعجبك ؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

اكتب تعليق من فيسبوك

mm

ساره فرحان صحفية سورية، تخرجت من كلية الإعلام في جامعة دمشق عام 2008 وأعمل في المجال الإعلامي منذ عام 2007 حتى اليوم عملت في مجالات الترجمة والتحرير بالعديد من المجلات والمواقع والشركات السورية كما أن لدي خبرة في العمل الإذاعي والتلفزيوني