التلاعب بالعقول (الرسائل اللاإدراكية)

التلاعب بالعقول
مقالة في “الرسائل اللا إدراكية ”
بقلم الاختصاصي في الإرشاد الاجتماعي ومدرب التنمية البشرية ماهر شبانه


أعرف جيداً مدى خطورة ما سوف يتم عرضه في هذه المقالة والذي يستخدم في السيطرة على عقول الملايين من البشر  في معظم مجالات الحياة , ولعل أبرز من استخدمها هو مجال الدعاية والاعلان بشتى صوره وبمساهمة وسائل الاعلام وتواطؤها سواء بشكل مقصود أو غير مقصود .


فما هي الرسائل اللاإدراكية  أو اللاواعية ؟ وهل هي حقيقة أم محض خيال وهواجس لا أكثر ؟!!
إن العصور الإغريقية المتمثلة بفلاسفتها الذين كانوا يوصفون بالـ(الموسوعيين) كانت مليئة بالإشارات التي تحدثت عن الرسائل اللاإدراكية وعن قيمة اللاوعي وخطورة التحكم به في تاريخ الانسان ونستذكر معاً قول فيلسوف الغموض أو الفيلسوف الباكي “هيرقليطس ” ( لا تستطيع أن تنزل في نفس النهر مرتين) في إشارة منه إلى أن حركة النهر في استمرار فبعد دقيقة لو نزلت النهر نفسه فهناك مياه أخرى ستلامس قدميك غير المياه التي لامستها منذ دقيقة , وهذه تعتبر رسالة لا ادراكية يوجهها الى كل من يسمع هذا القول فنحن نسقطها على حياتنا مباشرة , أعتقد أنه منذ أن سمعتم بهذه العبارة أصاب بعضكم الاحساس بالنشاط والتفكير بالعمل أكثر , والبعض الآخر أصابه الاحساس بالعجز والحزن على ما فات وعلى قلة حيلته أمام تسارع الوقت دون أن ينجز شيئاً , هكذا تعمل الرسائل اللاداركية بجملة واحدة تستطيع أن توجه سلوكك إلى المكان الذي تريده , إلى أن جاء سيجموند فرويد الذي تبحر في عالم اللاوعي ويعتبر أول من تحدث عن الرسائل اللادراكية بشكل صريح من خلال تفسيره لأحلام مرضاه حيث استطاع أن يقتفي أثار الرسائل اللاداركية المخزنة في اللاوعي لدى الشخص ويبرزها للسطح لعلاجها وتحوي كتبه الكثير من التحذيرات من هذه الرسائل والتي اعتقد أنها ستستخدم مستقبلاً.


الرسائل اللاادراكية التي مازلنا لم نسمع بها,  كانت موضع حروب وجدل في امريكا منذ نشأتها وحتى يومنا هذا ,وهنا علينا أن نعرف أنها من أهم الحيل النفسية التي تستخدم للسيطرة على الشعوب من خلال استخدام أدوات أهمها الاعلام فهي تتبع أسلوب التشويش على إدراك الشعوب المستهدفة , مثل : حذف كل ما هو ايجابي لضحيتها , وتعميم كل ما هو سلبي , وتعديل ما يصرح به أو يقوم به بما يتناسب مع مصلحة تشويشها , ثم تتعمد التشويه المباشر , يحدث هذا باستخدام كلمات معينة تلغّم بها الجمل المطروحة , وهنا نطرح مثالاً يطبق ذلك حرفياً , مع رونالد ريجان الرئيس الاربعون لأميركا في ثمانينات القرن الماضي بعد أن حارب وجود قوى فلسطينية في لبنان واعتبرها إرهاب يقول : (عندما يتعرض مواطنونا لهجوم أو لسوء معاملة في أي مكان في العالم بناء على أوامر مباشرة من أنظمة معادية ؛ فإننا سنرد طالما أنا في هذا المنصب)


هل لاحظتم معي كمية الرسائل اللاداركية في هذه الجملة ؟  سأحللّها كلمة كلمة :
يقول “عندما يتعرض مواطنونا لهجوم أو لسوء معاملة في أي مكان في العالم”  , لاحظوا التعميم هنا (في أي مكان في العالم ) وهذا يعطي رسالة لا واعية بأن هذا الشخص يستطيع الوصول الى أي نقطة في العالم وكأنه سيد العالم
” بناء على أوامر مباشرة من أنظمة معادية” , هنا لاحظوا أنه لم يحدد من هي الانظمة , وهذه هي لغة التعميم السلبي على الضحية التي أشرت اليها سابقاً مما يعطي رسالة إلى أن أي دولة في العالم قد تكون معادية في حال قررنا ذلك
” فإننا سنرد طالما أنا في هذا المنصب” هنا الرسالة الأخطر في الخطاب التي يحمل تهديد للداخل والخارج فهو يعطي رسالة للخارج والداخل بأنني أنا الرئيس الوحيد الذي اذا بقيت في هذا المنصب سأكون الضامن الوحيد لرد أي اعتداء عن مواطني دولتي فاخشوني أيها الأخرين و أخشوا على أنفسكم عندما أترك المنصب أيها المواطنين .
وكي لا نقول أن هذا مجرد مصادفة ..!!
فهذا الشخص يلقب بأنه (الاستثناء في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية) فهو البطل الأخلاقي الذي أنزل الهزيمة بالمعسكر الشيوعي وانهى الحرب الباردة وانتصر لقيم وحضارة الامريكيين وأضيف أنه كان ممثلاً قبل تسلمه الحكم 
فهل هذه مصادفة ..؟


هذا ما يحدث دائماً ونحن ننام في عسل هوامش الكلام ؛ دون الغوص فيما يرسله لنا الاخرين , فبينما تشاهد أحد الأفلام الاجنبية يلتقط اللاوعي آلاف الرسائل اللاإدراكية من خلال أقوى وأشهر أسلوب في التسويق الايحائي اللاإدراكي وهو “عرض المنتج بشكل غير مباشر ” بدلاً من عرضه بشكل مباشر , فبينما تتابع فيلماً يقوم البطل بشرب علبة بيبسي كولا أثناء الحوار و أنت منسجم في الحوار بعد دقائق تشعر بالحاجة لشرب شيء معين بعد جفاف حلقك وبالتأكيد سيرشح عقلك الباطن البيبسي كولا بشكل مباشر بعد تلقيه الاشارة من الفيلم وأعطى الأمر للحلق بالجفاف ليحقق المطلوب وهو باختصار شراء علبة كولا ! ومئات الماركات الكبيرة على مستوى العالم توظف نفس الطريقة .
الأمر بسيط أليس كذلك ؟ نعم بسيط لدرجة التعقيد والعجز عن مراقبته , بسيط لدرجة أن كل ما يتعلق بتنشئتنا الاجتماعية وثقافتنا وذوقنا في اللباس والأكل وطبيعة اختيارنا للمطعم الذي نرتاده هو بتوجيه مسبقاً عبر ملايين الرسائل من مئات الجهات وكل جهة تتنافس لأخذك إلى مكانها وسلعتها .


حتى بعض العادات الاجتماعية التي تستخدم الرسائل اللاادراكية للسيطرة على مكونات المجتمع ففي العالم العربي يتم اظهار الرجل على أنه القائد والأقوى والوحيد الذي يمكنه اشغال المناصب , في الوقت الذي يظهرون فيه المرأة على أنها ضعيفة وتحتاج دائماً للرجل (الرجال بالبيت رحمة لو كان فحمة ) وقس على هذا المثل الشعبي المئات من الامثال التي تحدد سلوك الفتاة وسقف ادراكها وتوقعاتها وهذا ما يسمى بــ “غسيل الدماغ الجمعي” , والذي اصبحت وسائل التواصل الاجتماعي شريكاً قوياً وحقيقياً فيه ؛ من خلال بث الشائعات قبل أن يتم تنفيذ أمر معين بهدف استطلاع ردود الفعل عليه وعلى أساسها تكون الجهة التي تبث رسائل الاشاعة قد حققت هدفين : الاول هو معرفة مدى البعد الذي يمكن أن يصل اليه ما تريده الاشاعة او العمل الذي سينفذ , و الثاني هو استخدام اسلوب التكرار والتعويد للناس لتقبل مالم يتقبلوه في البداية , فكم من إشاعة رأيناها على الفيسبوك ثم تم انكارها من الجهة المعنية وبعد فترة من الزمن تعود نفس الاشاعة كقرار أو حقيقة ؟ , ولكنها تعود مغلفة بغلاف جديد بعد ان تم دراسة المستقبلين للأمر وتعديله بما يقبله عقلهم الباطن

مهما تحدثت عن هذا الأمر يبقى الكثير والكثير وأعرف أنك تقول في قرارة نفسك : كيف يمكنني كشفها ومقاومتها ؟
الأمر هنا يتعلق مباشرة بتدريب نفسك على رفع مستوى الادراك حولك بصرياً وسمعياً وحسياً من خلال تقوية هذه الحواس والتمعن بها بدقة , وفي حال قرأت حديثاً مصيرياً أو سمعته يمكنك أن تقرأ الكلام فقط دون أن تحاول الغوص في أبعاده , الكلام حرفياً , حينها ستكتشف أن معظم ما تسمعه في يومياتك هو غير منطقي أساساً ,لكن عقلك يقوم ايحائياً بأرشفته وفق ما هو مخزن لديك ووفق منطقك الخاص , ومع هذا  فالإشارات اللااداركية تتعدى الملايين يومياً ولا يمكننا التقاطها جميعها ولكن نحن هنا نقوم بالتركيز في ما يهمنا بلحظات معينة . إنها لحظة مصيرية قد يتغير فيها كل شيء .