اللحظة التي أدركتُ فيها أنّني أكره وظيفتي ..


اللحظة التي أدركتُ فيها أنّني أكره وظيفتي ..
اللحظة التي أدركتُ فيها أنّني أكره وظيفتي ..

أرسلَ إليَّ أحدُهم رسالةً لعلَّ من المفيد إطلاعُكُم عليها .. فمن خلالها تتعلَّمون ما يجلِبُ الحياة إلى عملِكم و العملَ إلى حياتكم :

 

عزيزتي ليز ..

أنا متابعٌ نهمٌ لكتاباتك رغم أنّني أعترف أنّ أول مرةٍ قرأتُ فيها إحدى مقالاتك اعتبرتُ آراءك و توقعاتك ضرباً من الخيال و لا تمُتُّ للواقعِ بصِلة. الآن و قد قرأت خمسين مقالةً منها على الأقل, تغيّرت وجهة نظري تماماً.. أصبحت أعلم ما الذي تقصدينه حين تقولين أننا نستطيع التَّحكُّم بحياتنا المِهنيّة, إن أردنا ذلك.

أنا أعمل في شركةٍ كبيرة للسِّلع الاستهلاكيَّة المُعلَّبة, منذ خمس سنواتٍ بعد أن أنهيتُ الماجستير في إدارة الأعمال. و أعمل لساعاتٍ طويلة جداً كي تسيرَ الأمور على ما يُرام, إذ يعتمد العمل بشكلٍ كبيرعلى الكمِّيّات المُنتَجة ــ فنحن شركة غذائية لكنَّ اهتمامنا يترَكَّزعلى قطّاعات السوق و إصدار اللوائح و نماذج التَّسعير.
يتحمَّل فريق عملنا ضغوطاً كبيرة و ظروفاً صعبة ليزيد المبيعات و المكاسب في كلِّ جانب, و نتعارك يومياً مع مُنافسينا على حصصنا في السوق. إنّه عملٌ قاسٍ لا يرحم لكنني أبليتُ فيه بلاءً حسناً, لذا تمّت ترقيَتي مرتين خلال خمس سنوات.

كانت زوجتي تسألتني دائماً إذا ما كنت سعيداً و أنا أعمل بهذا الجِّدِّ و مع القليل جداً من أيام العُطل.. كنت أقول لها: ” نعم, نعم, أنا بخير” على مدى عامين أو ثلاثة حتى يوم الجمعة الماضي, حيث طرأ شيءٌ مُفاجئٌ صحّاني من غفوتي. لقد افتتحنا خطّاً جديداً للوجبات السريعة و الذي سيكون انتشاره واسعاً جداً لكنه يتطَلَّب تجهيزاتٍ خاصّة في محالِّ البيع بالتّجزئة.
و كان الحصولُ على التجهيزات الجديدة من الموَرِّد أصعبَ خطوةٍ في خطواتِ إطلاق المُنتج و أكثرَها إزعاجاً و تصديعاً للرأس, فلا تزال هناك آلاف التجهيزات التي طلبناها و لم تصلنا بعد. كنت على استعدادٍ للقيام ببعض التعديلات المؤقّتة في شروط الدفع المُعتمدة لدينا بعلاقاتنا مع البائعين أو المورِّدين و عملِ تعديلاتٍ أخرى تحثُّ مُوَّرِّدنا على الاستعجال في إرسال طلباتنا المؤجَّلة لديه. و قبل مِضيّ يوم الجمعة خرجتُ من الاجتماع الذي عقدناه لتحديدِ الكمية الشَّحيحة من التجهيزات التي يمكن شحنُها, و دخلت المصعد.. كان رئيس عملنا في المصعد و لم أكن أعرفه جيداً, كلُّ ما أعرفه عنه أن اسمه بليك, فهو مدير مدير مديرتي.
بليك لا يعرفني شخصيّاًّ لكنه يعرف أنني أعمل لحسابه.. هو يعرفني شكلاً فقط. سألني: “هل لديك أخبار جيدة عن تلك التجهيزات ؟” و أجبته: “نعم ! فقد تجاوزنا للتّوّ أسوأ مرحلة.. نستطيع شحنَ نصف الكمية من التجهيزات هذا الأسبوع و النصف الآخر سنشحنه الأسبوع القادم.” كانت تلك أخباراً جيّدة.. بل إنّه تقدُّم نوعيّ, فمنذ يومٍ فقط لم يكن لدينا أيَّة فكرة متى ستُحلُّ أزمة التجهيزات هذي.
ردَّ بليك: “فلتقم بذلك. عملك لدي يتوقّف على ذلك.” قال هذا دون حتى أن ينظر إليّ, بل نظر إلى باب المصعد.. لقد ذُهِلت !  قلت لنفسي: “يالا حماقتي !!” هدَّد بليك عملي لديه ليُحفِّزني ـ إن كنت بحاجة لمثل هذا النّوع من التَّحفيز, ثم لم يَنْبِس بكلمة حتى وصل المصعدُ إلى طابق مكتبه فخرج بصمت.

 

ذهبت لأرى مديرتي راشيل. أخبرتها بما قاله بليك فقالت: ” لا تكترِث له, فكلُّ ما يستطيعه أن يُهدِّدك لفظيّاً لا أكثر. إنه لا يعرف حتى اسمك. و أعتقد أنه نسي للتّوالحوار الذي دار بينكما. بالإضافة إلى أنني سأدافع عنك و أحميك و أمنعه من الإضرار بك في حال لم ينسَ”.
حدَّقت بها فقط. كنت أقدِّر اهتمامها لأمري, لكنني رجل راشدٌ في السادسة و الثلاثين من عمري متزوج و لدي ولد.. لست بحاجة لحماية و دفاع مديرتي, و لا أريد أن أعمل في هكذا مكان حيث يقول لي أحدهم: “أنا أحميك من رئيس عملنا” أو حيث يقول: “عملك لدي يتوقف على ذلك”.. فهذا تصرُّفٌ مُقرِفٌ للغاية و بالغٌ في الإساءة.

كانت تلك دعوةٌ للصَّحيان بالنسبة لي. أنا أُنهِك نفسي و أعطي كلَّ دقيقة فراغ من وقتي و كلَّ فكري و جوارحي لشركةٍ لا قيمة لي فيها على الإطلاق.. أنا لا شيء بالنسبة لأصحاب القرار في هذه الشركة. لقد أراني بليك وجهه الحقيقي و كذلك فعلت راشيل فكلاهما جزءٌ من المشكلة.
راشيل عزيزةٌ على قلبي لكنّ مديراً طيباً يقوم بحماية موظَّفيه من فُتوّاتِ العمل المُخيفين لا يجعل الشركة التي لا تُقدِّر موظفيها المُجِدّين تستَحِقُّ العملَ فيها.

أنا لا أعلم ما عليَّ فِعله الآن, لكنني أعلم أنّه عليَّ ترك وظيفتي و اتِّخاذ قرار فيما سأفعله بعد ذلك.. أريد أن أوَسِّعَ نشاطاتي و أعمل في مجالٍ آخر.. لستُ متأكِّداً كيف سأبدأ البحث, لكنني أريد أن أعمل في مكان يهتمُّ فيه الناس بأمور أخرى إضافةً إلى زيادةِ أموالهم.
لقد سئِمتُ الأشخاص الذين يشغلون مناصِباً لا يستحقونها, و الأشخاص الذين يطعنوك في الظّهر, و ذوي عقليَّة “المال أولاً”. أشعر بأنني مُغفَّلٌ كي أُضيع كلَّ هذا الوقت في عجلة جِرذِ الهامستر. فكيف تنصحينني أن أبدأ عملية تغيير المهنة ؟

و شكراً.

نويل

 

عزيزي نويل..

تهانيّ على صَحيانك الرّائع !.. قد ينصدِمُ المرء عندما تصِلُه رسالة: ” أنت تضيع وقتك و مواهبك في هذه الوظيفة “.. و قد يُدخله ذلك في دوّامةٍ لا نهاية لها, لكنْ كما اكتشفت لتوِّك فإنَّ الهزّة التي تلقّيتها في المصعد جعلتك تُعيد التفكير في الطريق الذي تسلكه. لقد كانت رسالةً قاسية لكنّها نعمة في نفس الوقت.

لا تحزن على الوقت الذي أضعته في عجلة جرذ الهامستر, فقد تعلَّمت الكثير منها و اكتسبت القوة و المِصداقِيَّة التي ستفتح لك آفاقاً واسعة عندما تقوم بخطوتك التالية. الكثير من المنظمات و القضايا يمكنها أن تستفيد من معلوماتك عن الزبائن و حصص السوق و نماذج التسعير.

إن ما لديك لتُقدِّمه للعالم أهمَّ بكثير من متعة وجبةٍ سريعةٍ جديدةٍ و لذيذة (هذا لا يعني أن لديَّ مشكلة مع الوجبات السريعة) ! وظيفتك الآن أن تستمِع إلى قلبك و عقلك أنت.. ما هي أحلامك ؟ ماذا تحب أن تعمل و تعلُم أنَّك تُتقنه ؟ ابحث عن مُهمَّتك الحقيقية و عِشقك الحقيقي. ثم اسأل نفسك: ” ألمُ من سأعالج حين أعمل ما أحب عمله ؟”

بارك الله في بليك, المعلم العظيم, لأنَّه أراك من يكون هو. لا تهدِر طاقتك العاطفية في الغضب منه.. إنه لا يستحقُّ غضبك يا نويل. فبليك المسكين ليس في الغالب أكثر من بركان غضب داخل بدلة.. من يعلم كم عميقاً تحت السطح مدفونٌ شخصُه الحقيقي أم يا تُرى سيظهر شخصه هذا يوماً ما ؟ لا شُغل لبليك معك, فقد أدّى وظيفته تجاهك.. ذكَّرك بأنَّ الحياة لا تستمر للأبد و أنت من يقرِّر كيف تُمضي كلَّ ثانية منها, و عليك أن تقرِّر.

جميعنا نُعلِنُ أولويّاتنا و نُعيدُ التزامنا بها كلَّ يومٍ.. إننا نُوضِّح ما نهتم به من خلال استثمارنا لأثمن ثروة لدينا و هي… وقتنا.

و الآن و قد طِرت بسرعة من الصندوق الذي كنت فيه, لا تضع نفسك في صندوقٍ آخر فوراً فتؤطر نفسك من جديد, و لا تحرِق عملية تجدُّدك بأن تقرر على ماذا ستعتمد في تحديد مهنتك الجديدة خاصةً العوامل الفعلية أو ما هو أسوأ من ذلك كنتيجة أي اختبار أو معادلة. اصغِ لنفسك و لأصدقائك.
أعطِ لعملية تجدُّدك وقتاً, فهي كأيّ عملية طبيعية لها سرعتها الخاصة بها.. أنت محظوظ لأنك موظف و لست مضطراً لاتِّخاذ قرار المهنة الجديدة بسرعة.

أتوقع أنك ستجد طريقة أسهل للقيام بوظيفتك الآن: ستبقى ملتزماً و لكن لن تكون محتاراً فيما يخصُّ مواصفات وظيفتك, فنويل الحقيقي يجلس في كرسي القيادة الآن !

العمل الذي يشغل وقتنا كله عبارة عن ستارة من الدخان.. نحن نُشغِّل أنفسنا حتى الموت لأن سياجاً أمامنا يمنعنا من النّظر إلى المرآة. إذا كنّا نعمل طوال الوقت فلن نقف و ننظر أبداً. معظم الناس لا يجرؤون على سؤال أنفسهم: “ماذا أريد من مهنتي ؟”, و بدلاً من ذلك فهم يقولون:
“لماذا أفكر بذلك ؟ لدي وظيفة, و أعتقد أنَّها جيدة بما فيه الكفاية.
لا أستطيع التفكير بالتغيير ! لدي صكّ رهن يجب أن أدفعه.
ليس من المهم أن أعمل عملاً أستمتع به.. المهم أنّ لدي وظيفة.. فما المشكلة ؟
ليس خطأي أنني عملت بهذه الوظيفة التافهة, فالحظُّ عاكسني.
أنت لا تفهم وضعي , فليس لدي الكثير من الخيارات.

قرارك بأنك تستحقُّ الحياة و المهنة التي تريدها هو الخطوة الأهم, و هذه الخطوة على مقربة جداً منك. فقط استرِح ! اعتنِ بحديقتك و تنزّه على دراجتك. ارقص على أنغام المذياع و أنت تقرأ الصحيفة. رحلة تجدُّدك ستنطلق فاستمتع بالرحلة !

مع تمنياتي لك بكل خير.

ليز

 

أسئلة و أجوبة:

 

اللحظة التي أدركتُ فيها أنّني أكره وظيفتي ..

 

  • هل سيترك نويل وظيفته ؟

هذا هو المُتوقع, لكنّ نويل سيبدأ, و هو لا يزال في وظيفته الحالية, بالبحث خِفيَةً عن وظيفةٍ أخرى. سيرمي شبكته الواسعة.. سيستكشف الكثير من الخيارات المتنوعة. فهذه فرصته الكبيرة ليجدِ المسار المِهني الذي يُظهِر و يُنمّي مواهبه !

  • وضعي كوضع نويل فماذا عليَّ أن أفعل ؟

  • اقتنِ دفترَ يوميّات و اكتب فيه كلّ يوم أو متى استطعت. التقِ بأصدقائك. لا تقم بتغييرٍ سريعٍ في وظيفتك فقط لتتخلص من وضعك الحالي.. فهذا قد ينقلك من المقلاة إلى النار مباشرةً !
    بدلاً من ذلك فكِّر فيما ينفعك : انظر إلى أهدافك و الخيارات التي أمامك. و تعلَّم كيف تحدَّد المجال المِهني الذي تحب العمل فيه و كيف تُجدِّد نفسك و تُوسِّع مجال خياراتك للوصول إليه, باتِّباع الدورات أو قراءة الكتب المفيدة في ذلك.
  • أنا أعرف المجال المهني الذي أريد العمل فيه و لكنني أحتاج إلى وظيفة جديدة, فما الدورات التي علي اتباعها ؟

عليك اتباع دورات تعلمك كيف تجد الوظيفة التي تستحقها.

  • مشكلتي في الثقة بنفسي, فهل من نصائح ؟

اتبع دورات تنمية الثقة بالنفس و إخراج الطاقات الكامنة بأفضل شكل, فهي تنمي قدراتك المهنية و تكسبك الثقة اللازمة بنفسك في شتى الأوضاع المهنية من مقابلات العمل و العروض التقديمية و المفاوضات.

 

ترجمة : رفاه منير الصابوني

تدقيق : راما الشامي 

تنسيق : محمد الصواف

 

اقرأ أيضاً: 

خطوات بسيطة للشعور بالأمان في وظيفتك

أهمية تحقيق العدل في أماكن العمل

اللطف و الاحترام في العمل

5 طرق للحفاظ على سعادة الموظفين ذوي الأداء الأفضل

العمل الملهم

خمس خطوات للسعادة في العمل

 

اكتب تعليق من فيسبوك

تعليق


اعجبك ؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0
380 مشاركات
رفاه منير الصابوني
مهندسة ميكانيك و مهتمة باللغات عامّةً و اللغة الانكليزية خاصّةً كونها من أهم وسائل الاطلاع على كافة العلوم و المعارف الأخرى.

0 Comments

لا تنسى قراءة المواضيع التالية أيضاً