اعتقد أنك سمعت قبل اليوم بأحلام اليقظة , وسمعت أيضاً بشكوى أصدقائك حول خيالهم الواسع الذي يصبح فيما بينكم شكلاً من أشكال التندر , تسمعهم يقولوا لأحد أصدقائك الحالمين أو ربما لك أيها الحالم بمستقبل لا يشبه وضعك الحالي من حيث الطموح والامكانات المتاحة لك : يصلح خيالك للزراعة من كثرة خصوبته !!.. مع قهقهة مدوية .. تهين خيالك الذهبي و تجبرك لتضبطه في هذه اللحظة , فتعود لمنزلك وتفتح كتاباً أو تتصل بشخص ما  تعتقد أن لديه الاجابة حول وجعك الجميل : ألو سيد ماهر أرجوك أن تُجيب , هل حقاً أنا مريض بمرض التخيل ؟ !!!


فأجيبه بعد وهلة من الصمت : “نعم “, حين تكون أنت رهن خيالك .
و “لا “, حين يكون الخيال رهن واقعك , وهذا ما يسمى بالإبداع يا صديقي.
فيرد متلهفاً : لكن أنا لا أستطيع أبداً السيطرة على خيالي أو أن أضبطه حتى أن أهلي وأصدقائي ينعتوني بأني شخص منفصم عن الواقع ..أنا مريض هاه ؟ ..أرجوك أن تعترف لي !!


لن أجيبك لوحدك بل سأجيب هؤلاء الآلاف الذين يعانون معاناتك دون أن يعرفوا أن الخيال في حقيقته كنز المعرفة ؛ ولولاه لما عرفت البشرية ما يسمى الابداع أو الاختراعات وماكنا لنصل إلى هذه الثورة التكنولوجية العظيمة التي تنعم بها البشرية .
سأجيب كل طفل صفعته أمه بسبب شكوى من مُدرسه على دفتر واجباته يقول فيها : ابنك يشرد في الصف , إنه لا ينفع للدراسة إن بقي على هذا النحو !
وسأجيب المراهق الذي سخر منه محيطه  لأنه يتخيل أن يصبح وزيراً وهو يعجز على البقاء أمام كتابه لأكثر من نصف ساعة !
وسأجيب ذلك العاشق الذي بقي وحيداً لأن حبيبته لم تفهم تخيلاته فاتهمته بأنه عبارة عن كائن مثالي لا ينفع في الواقع!


اجلسوا ..وارسموا دائرة حولي لنتحدث إذاً :
انقسم علماء النفس حول تحديد نوعين من الخيال هما :
الأول :الخيال الابداعي الذي يتجاوز الواقع , وهو ابداع شيء أو فكرة لم تعرفها البشرية قبلاً وهذا ما يسمى بالابتكار او الاختراع
والثاني :هو الخيال التكراري الذي يعيد انتاج الواقع , ويعتمد على جزء من التذكر الذي يبني على أساسه تخيلاته , فهنا يعتمد على الواقع لتوجيه عمل خياله وهذا ما يسمى بالتطوير والابداع .


(إن الخيال يحكم العالم ) هذا ما قاله نابليون قبل أن يكتسح العالم
(أنا فنان كفاية لأرسم بحرية في مخيلتي . الخيال أكثر أهمية من المعرفة , المعرفة محدودة . الخيال يطوق العالم ) هذا ما قاله آينشتاين الذي كان انعطافاً في تاريخ البشرية


هنا علينا أن نفهم أن الخيال ليس عابر سبيل في النفس البشرية , بل هو محرك حقيقي لهذا العالم لكن كيف يحدث الخيال , وما علاقته بنمط شخصيتنا ؟
الخيال هو القدرة العقلية على تجسيد تصورات و أحاسيس غير موجودة في الواقع , ويعتبر من أهم الأشياء التي تشكل وعي الانسان .
تظهر ملكة الخيال منذ الطفولة ونراها بشكل واضح عند الطفل الذي يبقى لساعات طويلة وهو يستخدم الخيال للتواصل مع ألعابه وسنُذهل هنا حين نعرف أن الخيال يستخدمه الطفل في حل الكثير من مشاكله النفسية والتكيف مع واقعه !


وحين يصبح في سن المراهقة يستخدم خيالاته في جانبين :
الجانب الأول : بناء تصورات حول ذاته وتصوره كيف يراها الآخرين,  وكيف يريدها للمستقبل ,وهنا يبدأ المراهق بالتمرد بنظر الأهل على واقعه, وسبب ذلك هو اتساع الفجوة بين خياله وبين جحيم الواقع المحدود في نظره,  وهنا تبدأ أهم معارك الخيال مع الواقع, وهذه المعركة هي معركة الفصل في تحديد شخصية هذا الانسان ومدى تمتعه بالصحة النفسية ؛ ففي حال لم ينتبه الأهل والمحيط لهذا الخيال وسخروا منه ولم يشجعوه تحت ذرائع الدراسة وغيرها فستكون خسارة الخيال بالنسبة للمراهق كارثة حقيقية
أما الجانب الثاني : الذي يستخدمه المراهق لخياله فهو لخلق اللذة نتيجة فورانه الجنسي في هذه المرحلة بسبب التغيرات الكبيرة فيزيولوجياً ونفسياً لدى المراهق وبالتالي يلجأ للخيال للبحث عن اللذة التي يعجز عن تحقيقها في الواقع  بسبب الكثير من الروادع الدينية والاجتماعية والاسرية وهنا تبدأ حلقة الادمان على الخيال في هذا الاتجاه مع تزايد مكبوتات المراهق.


تنتهي “المرحلة الحمراء” لدى المراهق في سن ما بعد الخامسة والعشرين بالتدريج , وهنا يبدأ الخيال بإنتاج ثمار الاتجاهات التي تبناها ؛ فما أن يصل الى سن الثلاثين حتى يبدأ الخيال بإنتاج واقع جديد في مرحلة التطوير والانجاز الشخصي الممتدة بين سن الثلاثين والأربعين  ويختلف تأخر انتاج الخيال في الواقع بين شخص وشخص أخر فالبعض يبدع في العشرينيات والبعض الاخر في الثلاثينيات والبعض ما بعد سن الاربعين.


وهناك أنماط للشخصية تتسم بالخيال ويسمى النمط” التخيلي الابداعي”  ويتمتع به فقط 25 % من البشر وفق اختبار ” MBTI ” العالمي ,  وفي البرمجة اللغوية العصبية يسمى “النمط البصري” مع التحفظ هنا حول التدرج لدى النمط البصري في عمق التخيل ونوعيته والذي يرتبط أحياناً بالتحليل للواقع باستخدام التخيل , حيث أن هذا النمط يتصف بقدرته على بناء صور في الذهن تفوق الواقع مما يجذبه للمثالية والتوقعات وهي شخصية تعتبر شخصية حدسية تعتمد على الحدس الذي يدعمه الخيال والذي يمكنه من امتلاك القدرة على التبصر في ما سيحدث مستقبلاً والكثير منهم يتوقع أشياء ستحدث مستقبلاً وتحدث بالفعل وهذا ما يفسر لنا الطاقة العجيبة التي يفرزها الخيال والسبب أن الخيال يطلقه العقل الباطن للإنسان والذي يعتبر مصدر لا متناهٍ للطاقة الهائلة التي تحدثت عنها جميع العلوم التي درست النفس البشرية .


ولكن في نفس الوقت هناك مآخذ لهذا النمط التخيلي ؛حيث أنه يعتبر شخصية تتعلم وفق ما هو عام واجمالي في الوقت الذي تغيب عنها الكثير من التفاصيل وهذا ما يسبب لها المشاكل وهي سبب بعدها عن الواقع , وفي بعض الاحيان يسبب الخيال الجامح الكثير من المشاكل والأمراض النفسية وأهمها الوسواس الذي سببه التخيلات غير الواقعية ويصل في درجته الى الوسواس القهري وهنا يصبح الشخص عبداً خاضعاً لتخيلاته الوسواسية بالإضافة الى أمراض مشهورة كالسادية والمازوشية والكثير من المشاكل اليومية كسوء العلاقات الزوجية والبرود أو النفور الجنسي أو الشذوذ الجنسي بسبب محاولات اشباع الخيال جنسياً دون جدوى.


لا تخافوا كثيراً فما ذكرته من مآخذ سيكون محدوداً حين ندرب أنفسنا على التعامل مع الخيال كأنه محيط كبير علينا أن نعرف كيف نتعامل مع أمواجه وأن نعرف اتجاهاته وأن ندير عواصفه بشكل محترف وهنا نصل إلى ما وصل إليه الاشخاص الذين غيروا التاريخ وهو (العبقرية )
العلوم النفسية لطالما استخدمت الخيال في علاج الكثير من المشكلات , كما يستخدم الخيال كعنصر اساسي لعملية التنويم الايحائي , ويمكننا استخدام خيال الشخص المقابل لنا بهدف ايصال الكثير من الافكار له والسيطرة على عقله وتغيير توجهاته العقلية .


وهنا بعض المقترحات المفيدة للاستفادة من الخيال الذهبي وضبطه ايجابياً :
تذكر دائماً أن للواقع حاجات وللخيال حاجات أخرى يجب الموازنة بينها, وذلك من خلال الانتباه والتركيز في الواقع وترك مساحات خاصة للخيال في كل موقف, وهذا يحدث بالتدريب على الفصل بين الواقعي والتخيلي في كل موقف نعيشه ,جرب ذلك لعدة مرات وسترى أنك في كل مرة أصبحت تسيطر أكثر على الخيال .
قم بإشباع ذاكرتك بالعلوم  والمطالعة لأنها ستكون مصدراً مهماً للإبداع في خيالك , لأن الخيال سيعمل في كلا الحالتين فبدلاً من تسببك بالشرود السلبي سيتم توظيفه للإبداع واستثماره في تطوير العلوم التي تتعلمها أو لواقعك .

من أجل الانتقال الى أنماط اخرى تفيد حاجاتنا الواقعية كالنمط التحليلي أوالحسي علينا القيام بتمارين يومية كالتركيز في حاسة السمع لأنها ترتبط بنظام تحليلي للأحداث كأن تقوم بسماع موسيقا غريبة والتركيز فيها أو أن تستمتع إلى اسطوانات عن لغة جديدة بهدف تعلمها مما يجبرك على التركيز على السمع بالإضافة إلى تمرينات تتعلق بالتركيز على حواسك الخمسة لأطول فترة ممكن مما يجعلك في نظام تفكيرك أكثر واقعية .
بالنسبة للأمهات والآباء علموا أطفالكم منذ صغرهم على تنظيم وقتهم و استخدام التخيل في هوايات يحبونها مما يجعلهم مبدعين في المستقبل
كل شخص يعاني الكثير من شرود الذهن أن يستخدم الورقة والقلم بهدف التركيز فيما يتعلمه وأن يسجل كل التخيلات التي تواجهه أثناء التعلم بكتابتها على شكل جمل قصيرة على مسودة جانبية مما يساعده في تفريغ تخيلاته وضبطها .

تخيل معي كم هو رائع هذا الخيال , لا تشتكي منه بل استخدمه فهو سلاحنا في معركة الابداع .


                                                                            

اكتب تعليق من فيسبوك

تعليق