مقالة نفسية حول الغيرة
بقلم الاختصاصي في الارشاد الاجتماعي ماهر شبانه

ما أن جاءت الساعة الرابعة صباحاً حتى عادت هلوسات الغيرة تقهر مخيلتها أو مخيلته , كيف سينام من حُرم في طفولته من حنان أحد والديه , وكيف سينام من لم يصدّق أن الانسان والحب ينموان بالحرية وليس بالتملك !
يتقلبان في السرير كل منهما على الجنب الذي يزيد غيرته أكثر , ويجعل الدم يفور من رأسه كبرج نار , فكيف سيجيئ الصباح وبأي هيئة , وما الذي ينتظر نارهما ..نار الغيرة ؟
“نعم إني أغار من كل شيء يحيط بك , كل شيء يثير اهتمامك ,كل شيء يستدرج مشاعرك , كل شيء تعطيه وقتك وحنانك أو حتى يثير شفقتك , حاول أن تفهم كيف تؤلمني الغيرة أتفهم ؟ ألم تسمع عن شيء اسمه الغيرة !! ”
أصبحت الساعة الخامسة صباحاً واقترب موعد القهوة أكثر وزاد القلق أكثر ..نهضت لتقرأ كتاباً عن الغيرة لعله يسعفها , وضعت إصبعها على السطر الأول لتقرأ :” الغيرة هي أفكار وأحاسيس وتصرفات تحدث عندما يعتقد الشخص أن علاقته القوية بشخص ما تهدد من قبل طرف منافس , وهذا الطرف الآخر قد يكون مدركاً أو غير مدرك أنه يشكل تهديداً “.

تأملت لبرهة ثم تابعت :
الغيرة تنقسم إلى قسمين : غيرة طبيعية , وغيرة غير طبيعية
فالغيرة الطبيعية تختلف عن الغيرة غير الطبيعية أو المرضية بكمية الاشياء والمواقف التي قد يغار منها الشخص , فكلما ازدادت غيرة الانسان من شيء جديد على حبيبه , كلما ارتفع منسوب غيرته طرداً نحو الغيرة غير الطبيعية
وهنا لابد أن نميز بين الغيرة الرومانسية والتي ينسبها الكثيرون لغيرة الحب ويعتبرها البعض أنها غير طبيعية , وبين الغيرة في العمل “غيرة القوة ” والتي تنشأ نتيجة صراعات في علاقات العمل كالترقيات أو الرواتب أو استلام مناصب معينة تثير غيرة المنافسين على هذا المنصب , وبين “غيرة الأصدقاء ” وهي تبدو واضحة منذ الطفولة وتظهر بشكل جلي في مرحلة المراهقة عندما يشعر الشخص بالخوف من فقدان أحد أصدقائه وذهابه إلى شخص آخر متطفل على الصداقة الأصلية مما يجعله وحيداً الأمر الذي يسبب له قلق اجتماعي ستكون تبعاته النفسية كارثية بالنسبة له ؛ فتكون الغيرة هي الخط الدفاعي الأول لتجنب وقوع هكذا كارثة بالنسبة له .

تتساءل حائرة : فما هو الجذر النفسي” السيكولوجي” للغيرة ؟
تبدأ الغيرة من فكرة الغريزة الموجودة لدى الانسان والحيوان على السواء وهي “غريزة الأمان , وغريزة التملك ” فأنت ترى الطفل منذ بداية وعيه لمحيطه يبدأ بالبحث عن أفضل سبل الأمان , فيرى الأم والأب هما أقرب وأفضل السبل المتاحة له , وهنا تبدأ غريزة الأمان بتحريض غريزة التملك على الاحتفاظ بهؤلاء الاشخاص الذين يمثلون ركيزة أمان الطفل ليكونوا ملكاً حصرياً له , وذلك يكون مترافقاً مع مشاعر قوية تفرزها غريزة الأمان التي في أساسها تحقق شرط البقاء على قيد الحياة للطفل ؛ وأي تهديد نحو هؤلاء الاشخاص يحول الطفل إلى كائن عدواني شرس , وهذا ما نلاحظه حين يأتي طفل آخر إلى المنزل أو تلد الأم له طفلاً آخر ؛ فنرى الطفل يدافع بشراسة عن حصرية أبيه وأمه في التملك , وقد يصل الأمر لأن يضرب أخيه الرضيع أو تبدأ تخيلاته الوسواسية لارتكاب فعل ما يخلصه ممن يهدد أمانه , وما أن يكبر هذا الطفل حتى يكبر معه هذا الطبع ليصبح جزءاً مهماً في تركيبته النفسية , وسمة واضحة من سمات شخصيته وتسمى ” الشخصية الغيورة ” وأحيانا تكون أعراضها أقرب إلى السيكوباتية ” انعدام الشعور بالخجل والعدائية للمجتمع والناس ” وهنا يبدأ الشخص بترسيخ معتقداته وقيمه نحو الغيرة بوصفها أمراً ضرورياَ وخط أحمر ضمن قناعاته , ولا يخجل البعض من طرحها على الشريك كأحد أعمدة التوافق بينهما , ولكن هنا يظهر ما لم يكن بالحسبان فالحبيب يعيد أمجاد العواطف التي كانت في الطفولة مع الوالدين ؛ وتبدأ عملية الاسقاط اللاشعورية لدى الشخص الذي يعاني الغيرة؛ ويستعيد عواطفه الطفولية ومن بينها حب التملك فالحبيب هو أصبح بمثابة الوالدين ولكن هنا بصيغة جديدة وأكثر خطورة بعد أن أصبحت مبينة على اعتقادات وقيم نتيجة تعمق تجربة الشخص مع الغيرة وفقدان سيطرته عليها ليصبح مؤمناً بأنه سلوكه في الغيرة هو السلوك الأفضل للحصول على مشاعر أفضل .

وهذا التحليل الذي تم عرضه يأخذ بعين الحسبان النسبية والتواتر بين الاشخاص حيث أن الغيرة لها درجات كثيرة ولا يمكننا تعميم هذا على أي شخص يغار بل نفهم غيرته من خلال هذا العرض .
غير أن الغيرة غير الطبيعية لها سمات مرضية واضحة ومنها :
عدم النضج.
عدم الشعور بالأمان.
في بعض الحالات تكون بسبب مرض عقلي كالشيزوفرانيا .
أو عدم اتزان المواد الكيميائية في المخ .
والحساسية الزائدة التي تبعث على غيرة الشخص حيث يشعر بوجود ما يهدد العلاقة , في حين أن التهديد غير موجود ويشعر به نتيجة حساسيته الزائدة .
وتظهر الغيرة المرضية في صورة محاولة السيطرة والتحكم المفرط في الشريك الآخر لأن لديه شعور غير حقيقي بعدم إخلاصه , وهنا يصدر الشخص الغيور تصرفات تتسم بالغرابة من الاتصال المتكرر بالشريك للتأكد مما يفعله أو البحث في مقتنياته الخاصة عن ما يؤكد شكوكه إضافة لاتهامات دائمة للشريك نابعة من شكوك وسواسية لا تمت للواقع بصلة , كما تظهر في بعض الحالات علامات ضعف وانهزامية بعد أن يفهم أنه غيرته كانت على خطأ ولكن من الصعب عليه الاعتراف بها لأنها تدخل ضمن قيمه وقناعاته.

هل تدمر الغيرة الحب ؟
في بعض الاحيان تخرج الغيرة عن الاطار المحدد لها كغيرة المرأة على الرجل في أماكن العمل مما يعرض العلاقة للضغوط وتجعل الطرف الآخر في حالة الترقب لأي تصرف يقوم به خوفاً من ردة الفعل من الغيرة وكأنه يسير على قشرة البيض الهشة والشريك الغيور غالباً ما يعي مشكلة الغيرة السلبية ويتأرجح ما بين لوم النفس والتبرير
فهل من حلول لذلك ؟ تقول تتوجس وهي تصب فنجان القهوة لها ولزوجها الذي تغار عليه
يوجد العديد من النصائح التي يمكن أن تساعد الشخص الغيور للتخلص من غيرته بشرط أن يعترف أولاً أن غيرته قد تهدم علاقاته وعليه التخلص منها
مراقبة السلوك والتصرفات والأفكار وذلك بمراقبة الشخص الغيور لنفسه وبمساعدة الشريك لإيقاف الافكار والسلوكيات في الوقت المناسب وعدم تركها تتمدد.
بناء الثقة بالطرف الآخر فالغيرة تسبب جرح للشريك لشعوره بتشقق الثقة والتي تشعره أحيانا ً بالإهانة وهذا يتطلب من الشخص الغيور أن يبني ثقته بالشريك وبالتالي تخف آثار الغيرة وذلك بمساعدة الشريك .
الحوار والتفاعل فالشخص الغيور في العادة يتمسك بموقف الغيرة ويدافع عنها بالتهجم وهذا يزيد من تعقيد العلاقة وبالتالي فإن اتباع سلوك الحوار يساعده في التخلي عن العناد والعصبية .

القيام بتمرين الغيرة 

احضار ورقتين وتقسيم الورقة الاولى الى عمودين , ﺗﺴﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﻤﻮﺩ ﺍﻷﻭﻝ “ﻣﺤﻔﺰﺍﺕ ﺍﻟﻐﻴﺮﺓ ” ﻭ ﺗﺤﺖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻨﻮﺍﻥ ﻳﺘﻢ ﻛﺘﺎﺑﺔ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻔﺰ ﺍﻟﻐﻴﺮﺓ ﻓﻰ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻭﻓﻰ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﺇﺫﺍ ﺍﺳﺘﻄﺎﻉ ﺗﺬﻛﺮ ﺫﻟﻚ ، ﻭﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺤﻔﺰﺍﺕ : ﺳﻤﺎﻉ ﺍﻟﻘﺼﺺ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺮﻳﻚ ﻣﻦ ﺃﻃﺮﺍﻑ ﺧﺎﺭﺟﻴﺔ ﺃﺧﺮﻯ ، ﺭﺅﻳﺔ ﺷﺨﺺ ﺁﺧﺮ ﻳﻌﺒﺮ ﺑﻜﻠﻤﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻹﻃﺮﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺮﻳﻚ ﻓﻰ ﺇﺣﺪﻯ ﺍﻟﺤﻔﻼﺕ . . ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻣﻦ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ .
– ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﺩ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻋﻨﻮﺍﻧﻪ ” ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ” ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻧﺘﺎﺑﺖ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻋﻨﺪ ﺗﺬﻛﺮ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻒ ﺍﻟﺒﺎﻋﺜﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻐﻴﺮﺓ ﺑﺎﻟﺮﺟﻮﻉ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻤﻮﺩ ﺍﻷﻭﻝ ﻭﺗﺬﻛﺮ ﺭﺩﻭﺩ ﻓﻌﻠﻪ ﺁﻧﺬﺍﻙ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﺑﺎﻟﻐﻀﺐ ﻭﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻋﻨﺪ ﻣﺸﺎﻫﺪﺓ ﺃﺣﺪ ﻳﻮﺟﻪ ﻛﻠﻤﺎﺕ ﺭﻗﻴﻘﺔ ﻟﻠﺸﺮﻳﻚ ﺍﻵﺧﺮ .
– ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻓﺘﻘﺴﻢ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﻮﺩﻳﻦ ﻣﺜﻞ ﺍﻷﻭﻟﻰ ، ﻋﻨﻮﺍﻥ ﺍﻟﻌﻤﻮﺩ ﺍﻷﻭﻝ ” ﻣﺎﺫﺍ ﺃﻓﻌﻞ ﻟﻤﺴﺎﻋﺪﺓ ﻧﻔﺴﻲ ” ، ﻭﺍﻟﻌﻤﻮﺩ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﻨﻮﺍﻧﻪ ” ﻣﺎﺫﺍ ﻳﻔﻌﻞ ﺷﺮﻳﻜﻰ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻣﺴﺎﻋﺪﺗﻲ ” ﻣﻊ ﺗﺪﻭﻳﻦ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﻤﻘﺘﺮﺣﺔ ﺗﺤﺖ ﻛﻞ ﻋﻨﻮﺍﻥ ﻭﺟﻌﻠﻬﺎ ﺗﺘﻤﺎﺷﻰ ﺑﻘﺪﺭ ﺍﻹﻣﻜﺎﻥ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺤﻔﺰﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻢ ﻛﺘﺎﺑﺘﻬﺎ ﻓﻰ ﺍﻟﻮﺭﻗﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻓﻰ ﺍﻟﻌﻤﻮﺩ ﺍﻷﻭﻝ .

– ﻭﺑﺬﻟﻚ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻧﺘﻬﺖ ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ ﻣﻦ ﺃﺩﺍﺀ ﺍﻟﺘﻤﺮﻳﻦ ، ﻟﺘﺒﺪﺃ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻵﺧﺮ ﺑﺎﻟﺠﻠﻮﺱ ﺳﻮﻳﺎً ﻭﻣﻨﺎﻗﺸﺔ ﺍﻟﻤﺤﻔﺰﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤﻘﺘﺮﺣﺎﺕ ﺍﻟﻤﻘﺪﻣﺔ ﻓﻰ ﺍﻟﻮﺭﻗﺘﻴﻦ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﺳﻮﻳﺎً ﻋﻠﻰ ﺗﻨﻔﻴﺬﻫﺎ .
– ﺇﺫﺍ ﺗﻢ ﺃﺩﺍﺀ ﻛﺎﻓﺔ ﻣﺮﺍﺣﻞ ﺍﻟﺘﻤﺮﻳﻦ ، ﻓﺴﻮﻑ ﻳﺸﻌﺮ ﺣﻴﻨﻬﺎ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻐﻴﻮﺭ ﺑﺎﻻﺭﺗﻴﺎﺡ .
الآن ..حملت فنجان القهوة وذهبت إليه , فهل الغيرة هذه المرة ستفسد قهوة صباحهما ؟

اكتب تعليق من فيسبوك

تعليق