سافر ولو في حارتك

كلّما وقعت عيني على صورٍ لأماكن دمشقية أعرفها جيداً، انتابني إحساس خفيّ بالمتعة والحنين. لا
أكاد أصدّق أني أعرف تلك الأماكن جيداً، إذ كنت أمرّ بها يومياً دون أن يلفت انتباهي شيء فيها.
ماخلا دمشق القديمة التي كنت أسرح فيها مستكشفاً أزقتها ومستنشقاً عبق ماضيها. حينها، كنت
أتعجب من وفود السائحين وأتساءل: مالذي يجيء بهم إلى هذه الأماكن الضيقة الخرِبة، على حدّ
زعمي.
ما أردت قوله:
المقيم في بيئةٍ تخفى عليه أكثر سماتها ومعالمها. أجل، تتجلى له صورها كلّ يوم في مشاهداته، وفي
تفاعله مع عادات أهلها. قد يعرفها حقّ المعرفة ويحسن وصفها. غير أنه لا يرى فيها ما يثير الدهشة،
لسببٍ واحد هو أنه اعتاد كلّ ما فيها. نشأ وتغذى وتعارف مع الناس فيها، حتى ما عاد يميز جمالها
ولا عاد يستهجن قبحها. كلّ ما فيها مقبول وعادي، مهما بدا غريباً لزائرٍ أو عابر سبيل.

الغرض من السياحة:

كنت في صغري أحسب السياحة تتمثّل في استكشاف أماكن جديدة ورؤية عمائر جميلة. ما كان
يدور بخَلَدي أن السائح يضحّي بماله وإجازته بحثاً عن التغيير فقط. ما كنت أعرف أن السياحة
رياضةٌ للعقل ونشاطٌ للجسم وراحة للروح وتمرّدٌ على الواقع ومدّ للآفاق وتعارفٌ على أصدقاءٍ وأطعمة
وعاداتٍ وطرائق حياة.

سرّ المتعة:

لما تزور صديقاً، مثلاً، فقد يُلفت انتباهك توزيع غرف منزله، الحديقة والآثاث وحتى علاقة أهل البيت
ببعضهم بعضاً. أشياء كثيرة تثير انتباهك من جمالها أو من بساطتها، لا فرق. المهم أنك ستخرج
مندهشاً ومستمتعاً لأنك كسرت “روتين” حياتك وخرقت رتابة المكان الذي ألفته والوجوه التي أنستها.
كذلك الزائر يرى ما لا يراه المقيم. الزائر يستمتع بأجواء يألفها المقيم ويحفظها عن ظهر قلب. الزائر
يتذوق الأطعمة بطريقة مختلفة عن المقيم، وتجذبه العادات والطقوس ليس لغرض نقدها أو الإعجاب
فيها، بل لأنه يعدّ الإطلاع عليها رافداً لتوسيع آفاقه ومصدراً لإدخال البهجة في حياته.

السياحة في أسمى وجوهها:

الزائر يفكر بشكل منطقي خالٍ من العواطف الاثنية وعصبية الانتماء. الزائر واسع القلب يتقبل كلّ ما
تقع عليه عيناه برحابة صدر، ولا يصدّق ما يتناهى إلى سمعه من أقاويل وأخبار بشأن الشعوب
المختلفة حتى يعيش وسْطها ويعايش أهلها. الزائر يخالط الناس لغرض التعلّم منهم ولا يخالطهم من
أجل أن يعلّمهم. الزائر يتبنى من خصال الناس وطبائعهم أحسنها ليُطعّم بها عاداته التي نشأ
عليها.

ما هو المطلوب منا؟

سيروا في الأرض وانظروا. لا تخشوا النوم في خيام الصحراء، ولا السير على الأحجار الماء في
الماء، ولا الجلوس بين الأدغال في المساء. ولا تستوحشوا بُعد المسير في الأصقاع. لا تخشوا معاملة
الغرباء والفقراء. الناس عباد الله والأرض أرض الله، والخير في الكشف عما استودعه الله فيهم من
معارف وتجارب، نزداد بها ثقافةً ونسمو بها فكراً وروحاً.

أعد اكتشاف حارتك:

وقبل أن نطوي الأرض بحثاً عن الجديد، ما أروع أن نعيش سائحين ولو في حاراتنا وبيوتنا، نعيد
اكتشاف فضاءاتنا وبيئاتنا وعاداتنا. ما أحلى أن نتلمس مواطن الجمال في أزقتنا فننظر لها من
زوايا ما عهدنا النظر منها، وننصت لأصوات الناس فيها كما لو لم نكن نعرفها، ونلتقط صوراً
لملامحها تماماً كما لو كنا سائحين.

أعد اكتشاف بيتك وروحك:

وما أحسن أن نحوّل بيوتنا إلى حدائق ذات بهجة ليس بأزهارها بالضرورة، بل بإعادة ترتيبها
وتجميلها. وما أحرانا أن نعيد اكتشاف أرواحنا وطبائعنا وطريقة عيشنا، فنتلمس الأصلح والأطيب
والأزكى لها. ولندع نفوسنا تكتشف الجمال من حولنا. فالنفس تعشق كلّ جميل.