جسدٌ لا يشيخ وعقلٌ لا يحدّه زمن – الجزء الثاني


جسدٌ لا يشيخ وعقلٌ لا يحدّه زمن – الجزء الثاني
جسدٌ لا يشيخ وعقلٌ لا يحدّه زمن – الجزء الثاني

في سياق آخر في هذا المحتوى مما كتبه ديباك شوبرا، فإن الشيخوخة محدودة بشكل كبير بالعقل من خلال الوعي الذي يلعب دوراً هامّاً في التغيّرات نحو الشيخوخة ولكن هذا الدور هو عبارة عن سيف ذو حدّين، حيث يمكنه أن يساعد أو أن يدمّر ويتلف، وذلك يتوقف على الوعي ذاته وكيفية إدراكنا وردّات فعلنا وغيرها من المواقف الفكرية.

يحدث أنه ومنذ البداية حيث كانت الخلايا وكان العقل أشبه بأجهزة التخزين الصلبة الفارغة التي أمكن لنا أن نملأها بما يفيد أو بما يضر أفكارنا وخلايانا، وقد نتسبب وبطريقة استخدامها بعدّة أضرار وتصبح غير قابلة للاستخدام وغير مفيدة، لكنها قابلة للاستبدال عند رغبتنا بذلك، هذه العملية تؤدي إلى تدريب الخلايا والعقل والخيال منذ الصغر على مجموعة من المعتقدات وجعلها مبرمجةً على أفكار ومعلومات كثيفة وغير خاضعة لعمليّة الوعي التي تأتي من خلال إرشاد العقل وعيش الحاضر.

من خلال المواقف السلبيّة نجد أنّ الإنسان مساق نحو التصرف المدمر لجسده، وعندما تكون إيجابية يحدث العكس ويتجه الإنسان نحو التصرف البنّاء، حيث يكون ذلك سبباً للوعي القادر على توليد أفكار جديدة ودوافع تولد بدورها معلومات والقدرة على تحليلها والبحث في الحقائق، فتظهر آثار التجارب والممارسات القديمة على الفكر، حيث تتشابك بين الإيجابية والسلبية، هنا نستطيع التوجه نحو الممارسات والأفكار الإيجابية بدل السلبية.

  • . الاعتقاد بأنه ليس هناك مفر من انطباعاتنا القديمة هو وهم.

تكوّن هذه المعتقدات التي نكوّنها نتيجة الأفكار والمعتقدات التي نكتسبها من المجتمع أسلوب تفكيرٍ محدّد ضمن إطار يدعى بالخارطة الذهنية، حيث تكون هذه الخارطة موجودةً ضمن العقل بشكل تلقائي خلال تجاربنا في الحياة وهي معتقدات وأفكار ومعلومات يستجيب لها الإنسان خلال مسيرته حيث تكوّن له تصوّراً عن الواقع.

 

.الخارطة ليست هي الواقع.

.يستجيب الإنسان للخارطة الذهنيّة وليس للواقع.

يمكننا من خلال الوعي القيام بانتقاء الأفكار والقيام بسلوكيات وتخيلات إيجابيّة، ومنها ما يدلّنا على حقيقة الشيخوخة وأن هذه العبارة لا تظهر إلا على الجسد من خلال تطوّره والذي لا علاقة له بالموت، فالشيخوخة هي مرحلة يمر بها الجسد، ولكن ما يؤدي إلى الموت هو تلك المعتقدات عن ما تحمله الشيخوخة لنا، مما يؤثر على صحتنا من خلال الخريطة الذهنية التي تؤثّر بشكل كبير على واقع حياتنا.

.ما تضعه في ذهنك يؤثر على سلوكك وتجده واقعاً في حياتك.

.ليس للأمور معنى سوى المعنى الذي أعطيه لها.

يبدو أن العقل والجسم منظومة واحدة، فما تفكّر وتؤمن به سيؤثّر على جسدك، وستتخذ منه أسلوب حياة كاملة، فقد تجد مرض سرطان الثدي الذي يصيب واحداً من بين كل تسعة نساء في أميركا، ولكنه نادراً ما يصيب النساء في الصين واليابان، وسرطان القولون الذي يصيب الرجال في بلدان كأميركا وغيرها ولكنه نادر أيضاً بين القبائل الأفريقيّة وفي الصين واليابان.

فمن يخرج ويعيش بعيداً عن مجتمعه فإنه يصاب سريعاً بأمراض لم يسبق وأن أصيب بها هو أو أيٌّ من أهله، وذلك بسبب تأثّره بانتقاله من محيطه السابق إلى الجديد، والبعض لم يتأثر أبداً بأي مرض أو علّةٍ بعد السفر إلى بلدٍ آخر وذلك لأنه لم يتأثر بالانتقال من محيطه السابق بل وعاش في مجتمعٍ قد خلقه ضمن المجتمع الجديد دون أن يغيّر شيئاً من مأكله وأسلوب عيشه، هذه الأحداث قد تؤثّر على صحّة الأفراد دون وعيهم لما طرأ على أسلوب عيشهم لحياتهم وسلوكيّاتهم.

يجب التأكيد على أن:

1- الإنسان يهرم ويشيخ بكلّيته العضوية وهذا طبيعي جداً، ولكن هناك أجزاء من كيانه الإنساني لا تشيخ أبداً، نفسه وعواطفه وشخصيّته وذكاؤه وصفاته الفكريّة، بالإضافة إلى الوحدات الوراثيّة التي يحملها والماء والمعادن التي تشكّل سبعين في المئة من جسمه تبقى كما هي. (لا يمكن للماء والمعادن أن تشيخ!)

2- الكهولة غالباً ما تكون مؤلمة، لكن هذا الألم ليس ناتجاً عن الكهولة نفسها بل عن الأمراض التي تعتري الكهل والتي يمكن تجنبها إذا تكيّفنا مع الشيخوخة كما يجب.

3- تظهر الكهولة كمرحلة محتومة، لأن الزمن لابدّ وأن يُفقِدَ الأعضاء وظائفها، ولكن يجب أن نعرف أن أجسادنا تقاوم فعل الزمن إذا أردنا السلبيات الخارجيّة والداخليّة وأثرها في تعجيل الشيخوخة، وحصّنا أنفسنا ضدها، إن الأعضاء التي تكوّن أجسامنا والتي منحنا إياها الخالق، يمكن أن تبقى فاعلة لمدّة مئة وثلاثين سنة إذا أدركنا ووعينا الأسباب التي تقصر العمر.

4- إن الإنسان نادراً ما يموت بسبب الشيخوخة نفسها بل بسبب الأمراض التي ترافقها.

يبقى الذكاء في انتقاء الأفكار والمعتقدات الإيجابيّة التي تؤثّر بحياتنا كاملةً حيث تعطينا الصحّة وتجعلنا نعيش كل لحظة بلحظتها وبكامل تفاصيلها وجماليّاتها مع ما نختاره من أحداث مليئة بالحب والسعادة والسلام الذي سيعتري كياننا من الداخل إلى الخارج، من الروح إلى الجسد الذي يحتويها ويحميها، فبما أن الروح شابّة وسعيدة فإن الجسد يتأثّر بها كما يتأثّر بالأفكار والمعتقدات التي تتكون لدى صاحب هذه الروح.


    اعجبك ؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

    علي غالي

    علي غالي - مهندس معماري - سوريا