إنكار الموت


death 2 إنكار الموت

قلعة بطرسبرغ 22 ديسمبر:

” أخي يا صديقي العزيز…..لقد نقلونا إلى الساحة العامة لسجن القلعة، وهناك قرأوا علينا حكم الإعدام. ثم أمرونا بتقبيل الصليب، وكسروا سيوفنا فوق رؤوسنا باعتبار أننا انتهينا، وبعدئذ اغتسلت غسلة الموتى، ثم ألبسونا الأكفان يا أخي. وصفّونا ثلاثة، ثلاثة على الجدار تمهيداً لرمينا بالرصاص. كان ترتيبي السادس، وكنت أنتمي إلى الوجبة الثانية التي سينفذ فيها حكم الاعدام، ولم تبقَ لي إلا دقيقة واحدة لكي أعيش. في تلك اللحظة فكرت فيك يا أخي، في اللحظة القصوى التي لا تتجاوز الثواني كنت أنت وحدك في خيالي، وعندئذ عرفت إلى أي مدى أحبك يا أخي الحبيب.”

الموت هو الحقيقة الكونية الثابتة التي نعرف أنها ستتحقق، هناك الملايين من القصص والأفكار والمعادلات التي يمكن أن تشكك إلا فكرة الموت، كل شيء حيّ سيموت بما فيهم أنا وأنت وكل من حولك. كلام مكرر جداً…حسناً. سأحاول من جديد، جميع المخلوقات سوف تموت، إلا أن المشكلة تكمن في أن البشر وحدهم يدركون أنهم سيموتون يوماً ما، لا الكلاب ولا الحشرات تدرك ذلك، الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يتخيل نفسه ميتاً أو طائراً في الفضاء أو سنبلة. الخيال البشري وحده يستطيع أن ينشئ خيالات لا نهاية لها.

وعلى الرغم من كل هذا لا يصاب غالبية البشر بالاكتئاب ولا فقدان الأمل ولا أية أمراض عقلية. هل تساءلت لماذا ؟ المفارقة العجيبة والمضحكة هي أن كل ما يفعله البشر سواء كان بوعي أو بدونه ما هو إلا لتجنب تذكر فكرة الموت أو إرهاب الموت. المجتمعات والثقافات ما هي تجمعات إلا لكي ننسى بطريقة عجيبة فكرة الموت. من الأنشطة الرياضية إلى السياسة إلى العلوم والاكتشافات الفكرية والأدبية ما هي إلا أفعال ورائها إرهاب الموت. هذه الجملة الاخيرة ليست مزحة، إن لم تكن مزحة كيف يمكن أن يكون إرهاب الموت وراء كل ما يفعله الإنسان في حين أنه بالكاد يتذكر في يومه الموت؟

الإجابة هي في هذا التناقض العجيب: لأن الجميع يحاول أن يكون عظيماً ولكن بطريقته. البعض يكتب الكتب مثلاً لكي يكون هكذا، البعض يقوم بمساعدة الآخرين والبعض الآخر يحاول عبر كسب اهتمام الآخرين، أو جمع الاموال وإظهار السيارات على الانستغرام. يبدو بأن هذا الشرح لم يكن كافياً، لذلك سأقدم أول من قدم وجمع الأفكار حول الموت. إرنست بيكر. بيكر كان يدرس الأنثروبولوجيا وعلم النفس حاول أن يقدم أفكاره لكنها قوبلت بالرفض. في نهاية المطاف أُصيب بسرطان جعله طريح الفراش لسنوات مما جعله يقدم أفكاره في كتاب.. هل خمنتم عما يتحدث الكتاب؟  الموت. في عام 1974 توفي بيكر إلا أن كتابه ” إنكار الموت” حقق العديد من الجوائز وأصبح أحد أفضل كتب القرن العشرين نظراً لزلزلته والتشكيك في الكثير من الأفكار في السيكولوجيا وعلم النفس، خاصة وأن السيكولوجية الفرويدية قد أصبحت تعتبر آنذاك شيئاً من العصر الحجري.death 1 إنكار الموت

إنكار الموت

يقدم إرنست بيكر الإنسان على أنه منقسم إلى كينونتين. الأولى هو هذا الجسم الفاشل الذي يقوم بالحاجات اليومية مثل المشي، الركض والنوم. أما الثانية فهي تصورية تُرينا هويتنا وكيف نرى أنفسنا بشكل عام. بيكر يشير إلى أن الجسم البشري سوف يموت يوماً ما، فهو أمر محتوم وهذا في نفس الوقت  أكثر شيء يرهبنا على مستوى العقل الباطن، ولتجنب ذلك يلجأ الجميع لإبقاء الثانية على قيد الحياة. فالثانية رمزية خالدة. هل عرفتها الآن؟

الثانية هي محاولات الكثير من العظماء الذين تعرفهم وحاولوا أن يبقوا خالدين بأسمائهم أو بإنجازاتهم. أنا أعرف أن الكثيرين لا يستطيعون أن يكونوا بتلك العظمة، فيحاولون أن يبقى خلودهم على مستوى أًصغر كالعائلة والأقارب، ولذلك نقوم بالاهتمام وإعطاء الوقت الكثير للأطفال في سبيل أن يتذكرونا بعد مماتنا.

هذه المحاولات لإبقاء الكينونة الثانية مستمرة قام بيكر بتسميتها ” مشروع الخلود“. مشروع الخلود بمعنى مُبسط هو مشروع تفادي الموت أو إنكار الموت أو إرهاب الموت. هو مشروع يحدث بشكل، سواء رضيت أم لا، على مستوى اللاوعي ويفسر لماذا كان يسعى الملوك للحرب وقتل ملايين من الناس، ولماذا كان يسعى بنكي للسيطرة على العالم عندما كان براين يسأله “ماذا سنفعل الليلة يا بنكي؟”

ومشروع الخلود ليس مجموعة معادلات أو حلاً قدمه بيكر لإرضاء الذات أو وسيلة تكتيكية مساعدة كما يظن الكثير من قطاع تطوير الذات والتنمية البشرية، إنما كان شرحاً وفهماً للنفس البشرية وحركة تصحيح. إذا ما الذي تحاول قوله؟ ما أحاول قوله أن بيكر أدان مشروع الخلود بالفشل. لأنه عندما نرى في مرحلة عمرية محددة أننا لم نحقق أي شيء من الكينونة الثانية نقع في فخ الاكتئاب، الحزن واليأس والأمراض العقلية. وفي مناسبة الأمراض العقلية فإن معظمها ناجمة عن إرهاب الموت بطريقة أو بأخرى.

ما أدركه فيما بعد بيكر كان هذا: بدلاً من إنكار الموت يجب أن نقبل أن الموت محتوم. يجب أن نشعر به. يجب أن نعرف أننا سنموت في يوم من الأيام.

يجب أن نعترف به صراحة في جلسات ذاتية لأن هذا الشيء الوحيد الذي يجعلنا نرى ما هو حقاً مهم في الحياة. إدراك الموت بشكل صريح يجعلنا نعرف ما يجب أن نضع وقتاً فيه وما يجب أن نرميه بعيداً. معرفة حقيقة الموت تجعلنا نطرح الأسئلة الصعبة، او كما أنا أسميها الأسئلة السريرية، لأنفسنا: كيف سيبدو هذا العالم الفاشل والمليئ بالأوبئة عندما أغادره؟ أي بصمة سأتركها؟ ماذا سيقول الناس يوم موتي؟ أي إرث سأتركه من بعدي؟ كل الأسئلة المهمة في الحياة تأتي من إدراك حقيقة الموت وحدها. death 3 إنكار الموت

وعند فهم حتمية الموت نبدأ بالتركيز على ما هو مهم ونطرح أسئلة من هذا النوع:

  • أليس من الأفضل أن أقضي وقتاً أكثر من عائلتي بدلاً من قضائه في الخارج؟
  • هل فعلاً المال يجلب السعادة؟
  • أليس من الأفضل أن أطور نفسي بدلاً من قضاء الوقت على البلايستيشن؟
  • هل يجب أعيش دوماً وراء ما يسرني؟
  • ألا يستحسن أن اشتري كتاباً بدلاً من قرص ألعاب؟
  • ألم يحن الوقت لكي أهتم بعائلتي بشكل أكبر؟
  • هل فعلاً السعي وراء شراء سيارة فارهة سيجلب السعادة؟

المشكلة في قبول حتمية الموت دائماً ما تكون صعبة. لا تظن أنه بمجرد أن تقول: “نعم سأموت يوماً ما”  ستبدأ تعطي أهمية أكثر لما هو فعلاً مهم. الأمر ليس كذلك. يجب أن يحمل قبول الموت بعض المشاعر الحقيقة لحتمية هذا الشيء. يجب أن تستخدم بعض الخيال أو أي شيء يذكر بهذا. الحقيقة هي أن من يعايش الموت وينجو يتغير فجأة ويبدأ النظر في الحياة من جديد. لكن أرجوك لا تسيء فهمي. أنا لا أدعوك لأن تذهب في مغامرة لتسلق قمة إيفرست لتعرف شعور الموت، بل أدعوك لأن تعرف قيمة قبول الموت بشكل صريح. بالمناسبة أنا لا أعدك أيضاً أن قبول الموت أو أن تعرف أن الحياة قصيرة سيُغيّر حياتك رأساً على عقب، إنما الذي سيتغير هو منظورك للحياة وما يستحق أن تعطيه اهتمامك وما لا يستحق.

وهنا يكمل فيودور دوستويفسكي رسالته بعد أن ألغي حكم الأعدام:

” لقد أدانوني بأربع سنوات من الأشغال الشاقة في سجن سيبيريا…...أني أُولد من جديد. لا يعرف معنى الحياة إلا من فقدها أو أوشك على فقدانها. ما أن أعود الى الماضى حتى أُفكر بكل الوقت الضائع سدى. أُفكر بلحظات البطالة والعطالة والضلالات والفرص التى راحت. كم أخطأت بحق نفسي وروحي.. عندما أُفكر بكل ذلك أشعر بنزيف دامٍ في قلبي. الحياة عطية، الحياة هدية ثمينة جداً ولا نعرف قيمتها إلا عندما نفقدها أو تصبح مهددة فعلًا. الحياة سعادة. فى كل دقيقة يوجد قرن من السعادات.. آه من طيش الشباب! والآن إذ أُغيّر حياتي أشعر وكأني أُولد بصيغة أخرى.”

إذا لم تفهم أي شيء مما قلت أو ذكرت في هذه المقالة، على الأقل أفهم بعمق ما قاله أكثر من فهم البشر على الإطلاق،  دوستويفسكي.

 

المصادر: 

  • إنكار الموت ، إرنست بيكر. ( ملاحظة: لم أجد أي أثر للكتاب باللغة العربية. يبدو أنه لم تتم ترجمته. الأساسي: Denial of death ، Ernest Becker)
  • العادات السبع للناس الأكثر فعالية، ستيفن كوفي. ص 117- 119
  • قوانين الطبيعة البشرية، روبرت غرين.  ص 578 – 579 ( ملاحظة: الصفحات مأخوذة من النسخة الإنكليزية)
  • رسالة فيودور دوستويفسكي ل أخيه ميخائيل من سجن القلعة بطرسبرغ ، 22 ديسمبر عام 1849.

 


اعجبك ؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

اكتب تعليق من فيسبوك

mm

شغوف بقراءة كتب تطوير الذات و التنمية البشرية, حاصل على دبلوم لغة الجسد