الفن الوحيد لتجنب اليأس


الفن الوحيد لتجنب اليأس
الفن الوحيد لتجنب اليأس

هل سبق لك أن طرحت بعض الاسئلة الصعبة على نفسك؟ تلك التي تمنعك من النوم حتى تلتقط الهاتف لكي تتجنبها. هل وضعت الهاتف يوما بعيداً وتساءلت قبيل ساعة النوم: هل يملك الإنسان القدرة على العيش من دون الحافز، الحلم والهدف. الإجابة تبدو بديهية باستخدام بعض المنطق. فالذي لا يأمل لا يتصور أي مستقبل لنفسه  ومن لا يتصور أي مستقبل لنفسه لا يفعل شيئاً والإنسان إن لم يفعل شيئاً لا يملك أي معنى لحياته والذي لا يملك أي معنى لحياته ينتهي به الأمر في دوامة الاكتئاب وهذا يؤدي إلى الإيمان بالعدمية؛ أي رفض جميع المبادئ الأخلاقية والدينية، وإن العالم كله خالي من أي مضمون. آنذاك تبدأ فكرة الانتحار تجول في الأذهان ويرتفع معدل سحب السجائر من العلبة وتدخين الأركيلة.

 

 إليك بعض الأرقام:

 أعراض الاكتئاب تزداد بشكل ملحوظ في الولايات المتحدة الأمريكية. حيث تم تسجيل أقل معدلات الرضا عن الحياة عند الرجال والنساء منذ العام 1985. نصف الشعب الأمريكي تقريباً يعاني من الوحدة. ألمانيا والسويد تحتلان مراكز متقدمة من حيث نسب الاكتئاب.

والسؤال هنا: كيف يمكن لدول متقدمة مثل ألمانيا وأمريكا والسويد أن يعاني مواطنوها من الاكتئاب؟ كيف لنا أن نسقط في دوامة العدمية بالرغم من التطور والتحسن. وبالرغم من كمية الأمل التي نملكها؟ هل يعقل أنه كلما تحسنت الأمور كلما شعر الإنسان باليأس؟

 وهنا تأتي فرضية التشكيك بالأمل ومدى فعاليته بالنسبة للفرد. 

 

انتظر لحظة ! 

هل أنت تقول بأن على الإنسان ألا يحلم ويأمل؟ نعم وكلا. 

الأمل يمكن أن يقتل شخصاً وينقذ شخصاً. انا لديّ الأمل في تجاوز الامتحان بنجاح، لكن ماذا لو فشلت في الامتحان؟ لدي الكثير من الأحلام لتحقيقها، لكن ماذا لو لم تتحقق؟ عندها ربما أصبح عرضة للاكتئاب بسبب الآمال المرجوة التي لم تتحقق. لذلك الأمل ليس دائماً إيجابياً. هتلر مثلاً كان يأمل بتحقيق نظرية العرق المتفوق، وستالين كان له أحلام آخرى. الأمل ليس الخير دائماً. الأمل قد يكون شكلاً آخر من الشر. وبهذا يحتاج الإنسان إلى مبدأ أفضل من “الأمل المرجو” وهو ما عثر عليه فريدريك نيتشه. 

نيتشه هو فيلسوف ألماني عاش في منتصف القرن الثامن عشر. عاش معظم حياته يعاني من الأمراض. ففي الصغر كان دائماً مريضاً. وعندما بلغ العشرين أصيب باضطراب عقلي قاده فيما بعد إلى الجنون. لقد أصيب تقريباً بالعمى في سن الثلاثين، أضف إلى ذلك أنه كان شديد الحساسية للضوء. 

وفي العام 1881 أمضى 260 يوم في السرير. فلسفة نيتشه كان غير تبعية إذ لم يسلم أي تيار فكري، عقائدي, أو ديني منه. لقد رفض أيضاً الأفكار الأيديولوجية كلها مثل الاشتراكية، القومية وحتى الديمقراطية. وهذا لأنه أدرك قبل الجميع أنها تعطي الأمل. خذ الديمقراطية على سبيل المثال، إنها تحقق للفرد كل ما هو مطلوب. إنها تعطيك الحرية بكافة أشكالها، تسعى للمساواة والرخاء الاجتماعي.

 بالإضافة إلى ذلك إن الإنسان في هذه الدول لديه الوصول لأبسط الحقوق كالانترنت مثلاً، في وقت تسعى الكثير من الدول لتوفير هذه الخدمة. لذلك الإنسان في الدول الديمقراطية لديه كل شيء على طبق من ذهب ويبقى السؤال ماذا تبقّى لأفراد هذه الدول لإنجازه؟ وبالتالي من الطبيعي أن يصيب اليأس دول مثل ألمانيا والسويد. ومن الطبيعي أن تزداد نسبة التيارات العنصرية في أوروبا، لأن الإنسان وصل لمرحلة متقدمة وحقق جميع الآمال. وبما أن جميع الآمال قد تحققت لا بد من إيجاد آمال جديدة لتفادي العدمية واليأس.

وهكذا يصل الإنسان إلى قناعة أن الديمقراطية تقود نحو العدمية وبعد ذلك يقرر الناس التصويت لأحزاب عنصرية وفاشية لعل هذا ينقذهم، وبعد مرورعدة أعوام يدرك الناس من جديد أهمية الديمقراطية. نيتشه قبل الجميع وجد أن كل الأيديولوجيات مثل الديمقراطية لن تصمد طويلاً. لأن الأمل يحتاج إلى التدمير كي يبنى من جديد. واستخلص أنه يجب أن نبحث عن شيء أبعد من الأمل. عن صيغة ثابتة تقودنا نحو المستقبل.

 

هذه الصيغة أو المبدأ أسماها نيتشه ” آمور فاتي- Amor fati” وتعني ” حب القدر”. أي القبول غير المشروط للحياة وتجاربها. وهذا يعني أن تعيش كل لحظة بشكل غير شرطي. أي أن تقبل كل شيء في كل لحظة سواء كان هذا الشيء هو الفرح أو التعاسة ، الفشل أو النجاح، الألم أو الراحة.

وهذا يعني ألا تأمل بالسعادة  فقط ولا حتى بالألم فقط، ألا تأمل في مستقبل أفضل أو أسواء، ألا تأمل في تطوير نفسك. آمور فاتي تعني بمعنى آخر ألا تأمل من الأساس لأن الأمل يُدخل الإنسان في حالة فوضى تجعله في قلق مستمر بحثاً عن أمل آخر. وعوضاً عن التمسك بالآمال افعل هذا: لا تبحث عن السعادة بل كن سعيداً ولا تأمل في النجاح بل اجتهد. لا تأمل في تحقيق المركز الأول بل تدرّب بغض النظر عن النتيجة، ولا تعمل من أجل الغد بل افعل كل شيء الآن ومن دون شرط وفي الحاضر وفي كل لحظة. آمور فاتي تعني في الحياة اليومية: أن تدرس من أجل الدراسة، من دون أن تشترط أفضل النتائج لأن هذا الافتراض فاسد ويقود نحو اليأس. وتعني ممارسة الرياضة من أجل الرياضة وليس من أجل هدف آخر. وتعني أن تعشق من دون مقابل سواء كان الذي تعشقه والدك او شريكك في الحياة. وتعني كما كتب نيتشه بنفسه في كتابه هذا هو الإنسان: ” الصيغة التي تجعل من الإنسان عظيماً هي آمور فاتي: ألا يرغب المرء في أن يكون أي شيء مختلفاً، لا للأمام ولا للخلف ولا حتى على مر الزمان كله.”

 

أن يعيش الإنسان من دون أمل لا يعني أن يعيش في وهم العدمية. هذه الفكرة يصعب تقبّلها، خاصة وهي تجري كسفينة عكس الرياح. رياح العادات، التقاليد، الدين، السياسة، الفلسفة والفرد.  وهذا هو هدف البشر؛ أن يجروا عكس الرياح من أجل التطور. فكلما زاد الشك وعدم اليقين كلما زاد التطور والمعرفة. لأن كل شيء قابل للتغيير. الجميع كان متأكداً من أن الأرض مسطحة منذ عدة قرون. الجميع كان يظن أن الأرض كانت مركز الكون. أرسطو هذا الفيلسوف المقدس كان يعتبر المرأة شيئاً سلبياً في الطبيعة. في حين أن الجميع يقدّس الديمقراطية في الوقت الراهن. أينشتاين وجد أن الوقت ليس ثابت للجميع وقال سرعة الضوء لا يمكن تخطيها. من يعرف؟ ربما يأتي يوم يصبح اينشتاين فيه أضحوكة. لكن لا شيء ثابت في الكون: لا فيزيائياً ولا فكرياً ولا فلسفياً ولا أيديولوجياً. الشك وعدم اليقين هو طريق نحو التطور. ولهذا فإن صيغة آمور فاتي في حياتك تعني أن تكون أقل ثقة بما تؤمن به. لأنها تفرض السياسة غير المشروطة. لأنها تحرر الإنسان من وهم الآمال والاحلام.

 

–  بدأت أشعر بالصداع. هذا الفاشل نيتشه يريد من الناس ألا تحلم وألا تخطط للمستقبل. التفكير الزائد جعلني أشكك في الكثير من الأشياء. يا لها من مهزلة. لا يمكنني تقبل أفكار شخص يمجد اللامبالاة واليأس. سوف أنسى هذه الأفكار وهذا الرجل. أين وضعت هذا الهاتف اللعين؟!…. لابد من ساعة من التصفح قبل النوم.

 

المصادر:

 – كتاب هذا هو الإنسان – الفصل الثاني: لماذا أنا فائق الذكاء ، فريدريك نيتشه. لم أجد في الترجمة العربية الصفحات التي تتناول آمور فاتي لذلك لم تدون في أي صفحة.

  • – كتاب الخراب – الفصل الخامس: الأمل في الخراب ص 186- 187 ، مارك مانسون.

– الأرقام والاحصائيات في عن نسب الاكتئاب في السويد وألمانيا: الألمان أكثر اكتئابا بالمقارنة مع بقية سكان أوروبا

– كتاب فن اللامبالاة – الفصل السادس: أنت مخطئ في كل شيء ( وأنا كذلك) ص 154- 155، مارك مانسون. 

 

 


    اعجبك ؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

    mm

    شغوف بقراءة كتب تطوير الذات و التنمية البشرية, حاصل على دبلوم لغة الجسد