ماذا تخبرنا أطول دراسة في التاريخ عن السعادة و الصحة؟


ماذا تخبرنا أطول دراسة في التاريخ عن السعادة و الصحة؟
ماذا تخبرنا أطول دراسة في التاريخ عن السعادة و الصحة؟

تخيّل معي أن يقوم مجموعة باحثين من جامعة عريقة بدراسة حياة مجموعة أشخاص بشكلٍ دقيق ومتواصل لمدة سنة كاملة، عملهم، صحتهم، علاقاتهم و حياتهم الشخصية .. الخ

ما هي برأيك الدروس الممكن تحصيلها من دراسةٍ كهذه؟

جامعة هارفرد فعلت ذلك مع مجموعة من ٧٢٤ شخصاً بعمر المراهقة، و الخبر المذهل هو أن هذه الدراسة استمرت لمدة ثمانينَ عاماً متواصلة! هي أطولُ دراسةٍ في العالَم تشمل حياة البشر، و مازالت مستمرة حتى الآن مع الذينَ بقوا منهم على قيدِ الحياة.

في هذه الدراسة العملاقة التي بدأت في ١٩٣٨، يتم إجراء استبيانات و مقابلات دورية مع هؤلاء الأشخاص، كذلك يحصل المشرفون على سجلاتهم الطبية، يفحصون دمائهم و يُجرونَ مسحاً على أدمغتهم، يتحدثون لأطفالهم و المقربين منهم، يسجلون أحاديثهم مع زوجاتهم، اللاتي انضممنّ فيما بعد للدراسة. ما الذي تخبرنا به آلاف الصفحات و البيانات و الاستنتاجات المجمّعة التي استخلصها فريق البحث عن السعادة و الصحة خلال كل هذه العقود الطويلة من العمل المتفاني؟

توصل الباحثون إلى خلاصةٍ مفادها “أن العلاقات الجيدة، وليس المال و الشهرة، هي ما يجعلنا أكثر سعادة و أفضل صحة”

العلاقات الجيدة لعبت الدور الأساسي في حماية المشاركين من التدهورِ العقلي والجسدي، بغض النظر عن طبقتهم الاجتماعية ومستوى ذكائهم. و إليك أهم ثلاثة خلاصات للدراسة على مدار عقودها الثمانية:

١- من دون شك، العلاقات مهمة لسعادتنا و مفيدة لصحتنا، و الوحدة تقتل. الأشخاص المرتبطون بعائلاتهم و أصدقائهم و مجتمعهم أكثر سعادة و أكثر صحة جسدية و يعيشون حياةً أطول، يقول البروفيسور “روبرت وولدينغر” أحد المشرفين على الدراسة “إنّ المشاركين الذين كانوا أكثر رضى عن علاقاتهم في عمر الـ50 كانوا الأكثر صحة عند عمر الـ80. و قد ثبتَ أنّ الأشخاص الأكثرُ عزلةً كانوا أقلَّ سعادة، و تتراجع صحتهم بشكلٍ أسرع في منتصف العمر.

٢- إنّ الأمر ليس مجرد عدد الأصدقاء، أو سواءً كنتَ في علاقةٍ أم لا، بل نوعية العلاقات هي ما يهم. الصراعات في الزواج أو في العلاقات تضرّ جداً بصحتنا، و الاستثمار بامتلاك علاقات دافئة و عميقة يعدُّ أمراً وقائياً، حتى أنّ الأشخاص الذين امتلكوا علاقاتٍ قوية استطاعوا الحفاظ على مِزاجٍ سعيد حينما كانوا يعانونَ من ألمٍ جسدي ما، بل إنّ الأزمات المالية لم تدمر سعادتهم.

٣- العلاقاتُ الجيدة لا تحمي أجسادنا و حسب، بل تحمي أدمغتنا كذلك، و ذاكرتنا بشكلٍ خاص. لقد قُدِّر لي أن أطّلعَ على أوراقٍ كثيرة من هذه الدراسة و هناك الكثير الذي أودُّ الكتابة عنه، لكني أعتقدُ أن الخلاصة قد وصلت و النتيجةُ محسومةٌ و بيّنة، لذا اسمحوا لي بأن أكونَ عملياً فيما بقي من حديثي، لأن العلاقات لم تكن يوماً إلا شيئاً عملياً، و الحُب -كما أفهمه- ليس شعوراً، بل قيمة تتجسّدُ بالأفعال، الأفعال التي تنتجُ عنها مشاعرنا.

سأذكرُ ثلاثَ نقاطٍ علّك تأخذها معك بعد اغلاقك لهذه الصفحة:

١- استبدل جزءاً من وقتكَ أمامَ التلفاز و الانترنت بالوقت مع الناس.

٢- عندما أقول “الناس” فأرجو ألا يخطر ببالك بعض منشورات الفيس بوك التي تقول أنّ اعتزال الناس راحة، الحقيقة أنّ اعتزال الناس يقتل! نعم لا تستطيع بناء علاقات مع كل الناس، اختر “ناسك” كما تريد.

٣- بناء العلاقات الجيدة هو “استثمار واعي” أي أنه لا يحدث دون و عي و قرار بأنك تريد الآن استثمار المزيد من الحب و الثقة والعناية بالمصالح في هذه العلاقة. ٤- لا يوجد ميزان يمكنه ترجيح كفّة كل علاقات العالم على علاقتك مع أسرتك.

تذكر هنا النقطة السابقة، تطوير علاقتك بأسرتك هو فعل واعي و ليسَ فقط أن تكونَ متواجداً فيزيائياً معهم. في النهاية، لا أستطيع إخفاء سعادتي بنتائج هذه الدراسة العظيمة التي أكّدت اعتقاديَ الراسخ مرة أخرى بأن العلاقات الوثيقة جيدة لصحتنا و رفاهيتنا، إنها حكمةٌ قديمة، و هي الدرس الأهم الذي تعلمته في الثلاثين سنة الماضية: “العلاقات هي أهمُّ مورد، و أغلى ما يمكن امتلاكه”

أحمد فارس العلي

 

المصادر:

من هنامن هنا 


    اعجبك ؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

    اكتب تعليق من فيسبوك

    mm

    حقوقي، و يحمل شهادة دراسات عليا في إدارة الأعمال، مهتم بالفكر والعلوم، مؤسس مجموعة بداية للتدريب والاستشارات التنموية والإدارية، ويعمل كمدرب فيها ومحاضر محلي في سوريا في المراكز والجامعات ، ضيف تلفزيوني وإذاعي شبه دائم. لمتابعة الكاتب على الفيسبوك انقر هنا