مايكل كولينز: رائد الفضاء الذي لم يسر على سطح القمر

 

اتجهت المركبة الفضائية «أبوللو 11» المأهولة في مهمة هي الأولى من نوعها في تاريخ البشرية إلى سطح القمر، وكان على متنها ثلاث روّاد فضاء هم؛ «نيل أرمسترونغ، وباز ألدرين، ومايكل كولينز».

 

يُعد «نيل آرمسترونغ» أول البشر الذين وطأت أقدامهم سطح القمر، تلاه «باز ألدرين». أما بطل قصتنا اليوم فهو «مايكل كولينز» الرائد الثالث، وقبل أن نتعرف على قصته دعونا نطرح سؤالًا: هل تساءلت يومًا عن تأثير الفضاء على الرواد؟

 

خارج الغلاف الجوي

بعد أن يفارق رواد الفضاء غلاف الأرض الجوي؛ تبدأ رحلة جديدة من الحياة التي يجب أن يتكيفوا معها لإتمام رحلتهم.  وعما يحدث لهم هناك؛ يقول أحد الأطباء:

“الفضاء هو عبارة عن المرض والخطر، ملفوف في الظلام والصمت، رحلات الفضاء تتركك ضعيف، متعب، مريض، وربما مكتئب”.

 

أما «كيفن فونغ» مؤسس مركز الإرتقاء والفضاء والطب في لندن، ومؤلف كتاب في مجال الفضاء بعنوان “الفضاء ليس بيئة تطورت من أجل السفر أو العيش فيها” فيقول:

 

” بالنسبة للأجواء العامة في الفضاء؛ فإن أحد الأشياء التي يشكو منها رواد الفضاء هو الغثيان أو القيء. هذه الأعراض ناتجة عن انعدام الجاذبية والتي تؤثر على الأذن الداخلية الحساسة، بالتالي يتأثر التوازن في الجسم، وتناسق الحركة والتوجه المكاني. كما أنه يؤثر على قدرتك على المشي بسبب وجودك في منطقة منعدمة الجاذبية لفترة طويلة”.

 

اقرأ أيضاً : ما الذي سيحدث إذا اختفت الشمس؟

 

مايكل كولينز

نعود إلى بطل قصتنا  رائد الفضاء الثالث في الرحلة «مايكل كولينز» الذي كان طيار الرحلة، وما يميزه عن البقية أنه رائد الفضاء الذي لم يسر أبدًا على سطح القمر رغم تواجده على متن تلك المهمة.

 

تخرج مايكل كولينز من الأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت، ثم انضم إلى سلاح الجو وأصبح طيارًا اختباريًا؛ ثم قام بالتحليق بمجموعة متنوعة من الطائرات المقاتلة.

 

لم يتوقع مايكل كولينز أنه سيكون ضمن فريق مهمات الفضاء إلا عندما أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك «آيزنهاور» أن رواد الفضاء الطيارين سيتم اختيارهم من بين الطيارين الذين أجروا اختبارات التأهل قبل ذلك.

 

قبل تلك اللحظة؛ ألقى الرئيس «نيكسون» رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت خطابًا أوضح فيه أنه في حال فشل محرك المركبة القمرية؛ فإن كلا من «أرمسترونغ وألدرين» سيواجهان مصيرًا غامضًا، بينما سيتعين على «مايكل كولينز» العودة للأرض وحيدًا.

 

أثناء رحلة أبوللو 11؛ كان كولينز في انتظار الشابين في المركبة لاصطحابهما إلى الأرض بعد انتهاء الرحلة، وأثناء وجوده في كبسولة القيادة؛ كان يلتقط صورًا مختلفة لسطح القمر من المدار، وظل معزولًا عن زملائه لأكثر من 20 ساعة في مدار حول القمر.

 

في مهمة كهذه تحيط بها الكثير من المخاطر والمخاطرة؛ كان الجميع على سطح الأرض متأهبين لمعرفة مصير الرواد «أرمسترونغ وباز ألدرين»؛ فمصيرهم لم يكن مؤكدًا، بينما مايكل كولينز كان في إنتظار ما سيحدث في مركبته المدارية.

 

يقول كولينز:

“الجزء الأكثر تحديًا في تلك المهمة هي المحاولة الأولى في الالتحام، والإلتقاء بمركبتين فضائيتين في المدار وهو جزء أساسي من الإستعدادات للرحلة”.

 

وعلى الأرض؛ قضى رواد الفضاء الكثير من الوقت في التدريب في غرفة المحاكاة التي تم إعدادها حتى تصبح مشابهة للمركبة الفضائية في اختبار تجريبي؛ وهو الأمر الذي جعل رواد الفضاء مؤهلين ومدربين جيدًا للتكيف على الحياة في الفضاء.

يقول كولينز:

“لقد قضيت على الأرجح نحو 600 ساعة في التدريب من أجل المهمة بالإضافة إلى العديد من التدريبات الأخرى، لقد كنا مستعدين بشكل جيد”.

 

وأما عن «مايكل كولينز» وعن مخاوفه في تلك الرحلة؛ فنشرت صحيفة الجارديان أن كولينز كتب قبل نحو 6 أشهر من انطلاق الرحلة بأن خوفه الوحيد هو أن يغادر المدار عائدًا للأرض؛ تاركًا زملائه على سطح القمر في إشارة منه إلى خوفه من فشل المهمة لأي سبب أو خطأ قد يحدث هناك.

 

فعلى سبيل المثال؛ أحد المخاوف التي قد تواجه زملائه؛ هو الفشل في الإرتفاع عن سطح القمر عند انتهاء المهمة، أو الاصطدام به بقسوة أثناء الهبوط. عندها سيعود كولينز بمركبته المدارية إلى الديار بمفرده على الفور.

 

أما موقع space.com فقد نشر بعض الأشياء التي كتبها الطيار «كولينز» أثناء الإنحراف عن مدار القمر الذي أدى إلى قطع اتصاله مع الأرض قائلًا:

 

“أنا وحدي الآن ومعزولًا تمامًا عن أي حياة عرفتها. النتيجة ستكون ثلاثة مليار شخص على سطح الأرض ينتظرون اثنين على الجانب الآخر من سطح القمر، وواحد على هذا الجانب لا أحد يعرف أين سيكون مصيرهم؟”

 

كانت الرحلة أبوللو 11 هي مهمة كولينز الثانية والأخيرة في الفضاء، وبالرغم من أن «مايكل كولينز» ليس الإسم الأول الذي يتبادر للذهن عند تذكر رحلة أبوللو 11 التاريخية؛ إلا أن كولينز أخبر الصحف بأن أحد الأشياء التي يفتخر بها؛ هو أنه واحد من رواد الرحلة الفضائية الأولى المأهولة لسطح القمر.

 

تقاعد كولينز من ناسا، واتجه إلى أشياء أخرى كانت هواية بالنسبة له؛ إذ قام بتأليف كتاب يتحدث عن تجاربه كطيار ورائد فضاء، وأصبح بعد ذلك مديرًا لمتحف «سميثسونيان» للطيران والفضاء في واشنطن.

 

فبعد تحقيق المهمة وحلم الرئيس الأمريكي «جون كينيدي» في السفر إلى الفضاء، ورفع العلم  الأمريكي هناك باسم البشرية جمعاء؛ قال كولينز:

 

حسنًا؛ كان هذا كافيًا، لقد انتهيت من ذلك.

 

عاد كولينز إلى معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا» في العام الماضي كجزء من احتفال AeroAstro بالذكرى السنوية المائة لها، وكانت له الكلمة الختامية في الاحتفال حيث تحدث عن أبوللو 11، وعن الهندسة الفضائية، والطيران والملاحة الفضائية.

 

في النهاية؛ حتى الآن ظلت الحضارة البشرية هي الحضارة الأولى التي صعدت على سطح القمر، ورفعت رايتها هناك، والتي ستظل هناك لملايين السنين القادمة حتى تأتي حضارة فضائية أخرى لتنتزع منها اللقب؛ ربما.  

 

اقرأ أيضاً :