فلسفة “Kintsugi”.. ترميم الكسور بالذهب


فلسفة "Kintsugi".. ترميم الكسور بالذهب

كما الأكواب أو الصحون، البشر أيضاً يصابون بالكسور والجروح النفسية، ولطالما اعتقدنا أن الشيء المكسور من الصعب أن يعود كما كان، وحتى لو حاولنا تجميعه من جديد سيبقى أثر الكسر واضحاً يُذكرنا به، لكن، وكون هذا البلد دائماً يفاجئنا بما لا نتوقع، تصادفنا من جديد فلسفة يابانية تسمى “Kintsugi” هدفها ترميم القطع المكسورة باستخدام الذهب أو الفضة أو البلاتين، لتصبح أكثر جمالاً من قبل.

والآن لا بد أنك تتساءل عن فلسفة وفن الـ “Kintsugi” القديمة، وما الهدف من هذا الفن؟

فلسفة “Kintsugi”

جاء مصطلح الـ Kintsugi في الأساس من منهج “الزن” البوذي الذي يتعلق بالسيراميك، حيث طور أساتذة هذا المنهج فلسفة تقول بأن الأواني والأكواب والأوعية التي تضررت لا يجب إهمالها أو التخلص منها، بل يجب أن تجذب اهتمامنا وأن يتم إصلاحها بعناية ودقة، وهذه العملية ترمز إلى المصالحة مع العيوب والأحداث التي نتعرض لها مع الوقت. ومن هنا جاءت كلمة kintsugi كتعبير عن هذا التقليد لإصلاح السيراميك. وهذا المصطلح يتألف من قسمين:

Kin =  ذهبي

tsugi =  نجارة

ليكون المعنى حرفياً “الترميم بالذهب”.

ويقوم مبدأ هذه الفلسفة على أنه يجب التقاط القطع المكسورة من القدر المحطم عن طريق الخطأ، وإعادة تجميعها ثم لصقها باستخدام طلاء من مسحوق ذهبي فاخر للغاية. ويجب ألا تكون هناك محاولة لإخفاء الكسور والأضرار، فالهدف هو إظهار خطوط الصدع جميلة وقوية. وهذه الخطوط الثمينة من الذهب تأتي للتأكيد على أن كل كسر يخفي بداخله جمالاً وله فوائد علينا إظهارها.

 

kintsugi philosophy فلسفة "Kintsugi".. ترميم الكسور بالذهب

تاريخ الـ Kintsugi

لا نبالغ إن قلنا بأن ظهور هذه الفلسفة جاء بالصدفة البحتة، ويُقال أن أصولها تعود إلى الفترة مابين عامي (1358-1408)، أي يبلغ عمرها أكثر من600 عام، وذلك عندما كسر الشوغون الياباني Ashikaga Yoshimitsu كوب الشاي المفضل لديه، وغضب لهذا الأمر، فقام بإرسال الوعاء لإصلاحه في الصين. لكن عند إعادة الكوب استشاط غضباً عندما رأى المشابك المعدنية القبيحة التي تم استخدامها لإصلاح القطع المكسورة وهي تتدلى من الوعاء، فطلب من الحرفيين ابتكار حل أكثر ملاءمة. وكان ما توصلوا إليه طريقة لا تخفي الضرر الكبير، لكنها صنعت شيئاً أكثر جمالاً منه.

أثارت هذه الطريقة الجديدة إعجاب الكثير من الهواة، لدرجة أنهم صاروا يقومون بتحطيم الجرار والأكواب وإعادة تجميعها من جديد باستخدام طلاء من مسحوق الذهب، وصارت هذه الحرفة معتمدة بإعادة تجميع القطع المكسورة وإظهار الجمال فيها، ليصبح الوعاء ذو قيمة أكبر.

فوائد الـ Kintsugi في حياتنا اليومية

عندما تتعمق في فهم هذه الفلسفة المميزة، ستتعلم مدى صلة رسالة الـ Kintsugi بحياتنا اليومية. سواء كنت تعاني من فقدان شخص عزيز أو خسارة وظيفة تعبت وأنت تؤسس لها. وإن كنت تتعافى من إصابة أو تجربة طلاق سيئة، أو حتى مأساة شخصية أخرى، فإن فلسفة الـKintsugi يمكن أن تكون طريقة بسيطة وسهلة لإعادة النظر لهذه المصاعب بطريقة أخرى، وتذكير نفسك أنك لست ضحية لظروفك، وبأنه يمكنك الخروج من كل هذه المشكلات وأنت أقوى من قبل. والهدف من كل ذلك أن تنظر للحياة بشكل أكثر إيجابية، وتبحث عن الجمال في كل شيء تتعرض له، وتوقن تماماً أن الخير يكمن في كل ما تعتقده شراً أو أمراً سيئاً بالنسبة لك.

فأنت لن تدرك مدى القوة والجمال الكامنة بداخلك، إلا عندما تتعرض لمواقف صعبة في الحياة. وهنا يمكنك اتباع فلسفة الـ Kintsugi وممارستها بشكل يومي لتخرج من كل المواقف وأنت أكثر قوة وثقة.

اقرأ أيضاً:

“الإيكيجاي” فلسفة يابانية لمعرفة معنى الحياة

 

Japan philosophy فلسفة "Kintsugi".. ترميم الكسور بالذهب

تقنيات فلسفة الـ Kintsugi

تحتوي هذه الفلسفة على العديد من التقنيات، ونذكر منها:

1- الـ Wabi sabi: والمقصود بها الاحتفال بالعيوب والعيش ببساطة، فالجميع يمرون بأوقات عصيبة ويعيشون حياة صعبة. فتأتي هذه التقنية لتعلمنا كيفية احتضان النواحي الجيدة والسيئة من أنفسنا، وتأقلمنا مع ذواتنا كيفما كنا. وتؤكد على ذلك الدكتورة راشيل أونيل، وهي معالجة في Talkspace حيث تقول:”إن احتضان العيوب يعني أننا نحتفل بقوتنا. فهو تغيير في طريقة تفكيرنا، من السعي لتحقيق الكمال والمثالية، إلى إظهار نقاط القوة لدينا، وهذا الأمر يؤدي إلى عقلية أكثر إيجابية وموجهة نحو نقاط القوة بداخلنا”.
2- الـ Gaman: وهو القدرة على التحلي بالصبر والهدوء. ويمكن لأي شخص ممارسة الـ Gaman في الحياة اليومية عن طريق التأمل، وذلك من خلال تخصيص بضع دقائق في كل يوم للتنفس فقط، فمن خلال التركيز على شيء بسيط مثل التنفس، فإننا نُريح عقولنا من المصاعب التي نواجهها في كل يوم.

ويمكن ممارسة تمرين التنفس كل يوم، لتعلّم كيفية الاستجابة للضغوط اليومية، وبدلاً من التركيز على الظروف السلبية، فإن Gaman تشجعنا على الاستفادة من قوتنا والتركيز على إمكاناتنا الداخلية، وإذا كان بإمكان المرء إظهار قوته الداخلية، فإن هذا أقوى من أي شيء سلبي يحيط به.

3- الـ Yuimaru: وهي تقنية تؤكد على أهمية العمل الجماعي، وأنه بالإمكان التعافي من كل مشكلة من خلال تلقي دعم الأصدقاء والعائلة والأشخاص الذين يهتمون لأمرك. حيث أن إظهار الضعف أمامهم، قد يساعدك في الواقع على إدراك ما تحتاجه في الحياة، فالضعف شجاعة تكمن بداخلك. لذلك فإنك عندما تعتني بدائرتك القريبة، فأنت تعتني بنفسك جيداً. وقد تعلمنا جميعاً كيف علينا أن نحب أنفسنا، ونعتني بأنفسنا كما لو كانت أفضل صديق لنا.

إن تعميق علاقاتنا بمن حولنا يمكن أن يساعدنا في أن نكون أكثر لطفاً مع أنفسنا، فنحن عندما ندرك أن لدينا محيط يدعمنا بشكل جيد، فإننا نميل إلى الاعتناء بأنفسنا بشكل أكبر. أي أن هذا المبدأ يقوم أساساً على فكرة الأخذ والعطاء كشعور عاطفي جميل.

4- الغذاء الصحي: فالعقل الإيجابي يبدأ من جسم قوي وغذاء صحي. وهذا ما نلاحظه في اليابان، حيث نجدهم يعتمدون على نظام غذائي بسيط، ويعيشون على القليل جداً من كميات الطعام، مع التركيز على نوعية الطعام الذي يتناولونه بحيث يكون نظامهم الغذائي بسيط وصحي. كما يهتمون بكل تفاصيل إعداد الطعام ويستمتعون به، ويجدون أن هذا الأمر يغذي الجسم والروح أيضاً. وهذا بالطبع جزء هام من العناية بأجسامنا.

5- الـ Kansha: ولعلها تعد أهم مفهوم في فلسفة الـ Kintsugi ، والمقصود منها التعبير عن الامتنان للخير والشر في حياتنا بهدف أن نصبح أفراداً أكثر مرونة وامتناناً. فنحن عندما ندرك أن كل ما نتعرض له يكمن الخير بداخله، سنتمكن من الشفاء بشكل أسرع ونكون أكثر مرونة في حياتنا. من ناحية أخرى فإن ممارسة الامتنان تتعلق أيضاً بالعيش في الوقت الحاضر وعدم الرغبة في امتلاك أشياء لا نملكها، كل ذلك بهدف التخلي عن “الأنا” الخاصة بك، وإعادة صياغة تجاربك بحيث يرى عقلك الإيجابية بدلاً من السلبية في كل شيء. فكل شيء يحدث لسبب ما، ولا يوجد وضع صعب نواجهه دون سبب.

وهكذا نكون قد تعرفنا على فن الـ Kintsugi الياباني لنؤكد فكرة أنه مهما تعرضنا لمشكلات في الحياة، يمكننا احتضان العيوب وإظهار الجمال الكامن فينا، حيث يمكنك إنشاء قطعة فنية أقوى وأكثر جمالاً بدلاً من رمي هذه القطعة، فالبطن المترهل، التجاعيد في الوجه، والشعر الأبيض، كلها إشارات تُظهر جمالك وحقيقتك، وفي كل عيب سحر فريد من نوعه يُبرز “الندوب” كجزء من التصميم المتكامل، لا يجب تغييرها، فهي معنى الحياة.

من هنا يمكننا استخدام هذه الفلسفة لتعلمنا درساً مهماً في الحياة:

في بعض الأحيان فإنك بعملية إصلاح الأشياء التي تم كسرها، تقوم بإنشاء شيء أكثر تميزاً عن ذي قبل، لتكتشف أنك أصبحت أجمل مع هذه الشقوق الذهبية الرائعة.


اعجبك ؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

اكتب تعليق من فيسبوك

mm

ساره فرحان صحفية سورية، تخرجت من كلية الإعلام في جامعة دمشق عام 2008 وأعمل في المجال الإعلامي منذ عام 2007 حتى اليوم عملت في مجالات الترجمة والتحرير بالعديد من المجلات والمواقع والشركات السورية كما أن لدي خبرة في العمل الإذاعي والتلفزيوني