الحب ليس كافياً

الزمن كان في عصر العبّاسيين وبالتحديد في وقت الخليفة هارون الرشيد. وقد كان يحكى آنذاك عن شاعر من البدو وقع في حب فتاة، كان اسمها ليلى، ومن شدة عشق هذا الشاعر للفتاة بدأ يسمى مجنون. لقد أثارت هذه القصة الفضول في نفس الخليفة لمعرفة السبب وراء جنون الشاعر. لقد بدا له أن ليلى لابد أن تكون من ملكات الجمال والسحر ، وهو ما دعاه إلى استدعائها وطلبه أن تزيل النقاب.

 لكن سرعان ما ازالة النقاب حتى كانت آثار الصدمة والاستغراب بادية على وجه الخليفة وتساءل: “ولكنها ليست في هذا الجمال ، بل أنها تبدو عادية وبسيطة”…… هل أنت حقا معشوقة مجنون؟…لماذا؟… أنت تبدين في غاية البساطة. ما هو الشيء الذي يميزك ، والذي جعل من قيس مجنونا بك؟ 

أجابته: “نعم انا ليلى ولكنك لست مجنون. يجب أن تراني بعيون مجنون ، عدا ذلك لن تستطيع ولو على مر الزمان كله حل المشكلة الغامضة التي تسمى الحب. 

كم هي مؤثرة قصة الحب التي دارت بين مجنون وليلى. فعلا الحب عظيم. الحب هو كل شيء. الحب هو الحياة. وكم من الحكم قد قيلت في الحب. ومنها ” ومن الحب ما قتل”. والحب بصورة أو بأخرى يتجسد في كل زقاق من دراما الإنسان على سطح هذه الأرض. ففي كل العصور تجسد الحب وكتبت في حضرته الاشعار والقصص والأساطير ، ومن أشهر هذه الأساطير طروادة وقصة موت المحارب الذي لا يموت ، أخيل. لم يستطع أي محارب قتل أخيل إلا أن الحب قتله. وقد كتبت الاف المسرحيات والكتب عن الحب وتفسيره. خذ على سبيل المثال معلقة شكسبير الشهيرة “روميو وجوليت”. ناهيك عن أطنان من الأفلام التي تمجد قصص حب بين اثنين قد التقيا صدفة في شارع حقير ، منها الفيلم الشهير تيتانيك وجميع المسلسلات التركية بما فيها يحيى ولميس ومهند ونور ولكي يبدو الحب أعمق تسمع تلك الموسيقى في خلفية المشهد بينما ينظر يحيى إلى لميس ، وتقول بين نفسك: ” فعلا الحب العظيم”.

والحب فعلا عظيم ، فهو الدافع الأخير الذي ربما نعيش من أجله. ما هو الدافع الذي يبقى الجندي أو المحارب متمسكا بقشة؟ انه ليس الحب كفكرة بل مشاعر الحب. كما كتب فيكتور فرانكل في الإنسان يبحث عن المعنى من سجن أوشفيتز وهو يعلم أنه ميت في كل الأحوال: ” ثم أدركت معنى السرالأعظم الذي ينبغي أن يفصح عنه الشعر الإنساني والفكر الإنساني والإيمان الإنساني: أن خلاص الإنسان هو من خلال الحب وفي الحب. لقد فهمت كيف أن الإنسان ، الذي لم يتبقى له شيء في هذه الدنيا ، لايزال يعرف السعادة ، ولكن للحظة قصيرة فقط ، من خلال التأمل والتفكير في المحبوب.”

الحب هو العواطف

إلا أن الحب ، بالرغم من جبروته و هيبته وسلطانه، غير كاف. فالحب هو المسبب الأساسي في نهاية الكثير من العلاقات ، والتي تنتهي بأسم “التضحية في سبيله”. وهذا يحدث حين يقدم المرء بالتضحية بكل شيء في سبيل الحب ، حين يترك حلم حياته او يرفض عرضا مغريا كان إحدى أحلامه في سبيل الحب المنشود. وقد يترك كرامته وكل مبادئه وقيمه في سبيل الحب ، وعندما يستيقظ في الصباح بعد عدة سنين ، يتساءل:  ما الذي فعلته؟ هل تركت كل شيء من أجل هذا الشخص !؟؟ وتأتي الصدمة عندما لا يرى أي قاسم مشترك ، إلا الحب. 

والحب وحده غير كاف ، لأنه بكل بساطة مبني على العواطف. وهذا ما يفسر ظاهرة “الوقوع في الحب”. الوقوع في الحب يمكن أن يحدث بين أي شخصين ، أنه ليس مبنيا على قرارات سليمة بل مجرد عواطف تقود اثنين إلى بعضهما مؤقتا وتدوم حسب الخبراء لمدة سنتين. والمشكلة أن الكثير يظن أنهم قد وجدو شركائهم وأن هذا الشريك سيظل للأبد ، في حين أن كل الذي حصل هو مجرد وهم. والوقوع في الحب سواء رضيت اما لا فهو ليس اختيارا ، لأنني كما قلت يكون مفعول العواطف اقوى بكثير من المنطق والحكمة. وتذكر دوماً: آلية اتخاذ أي قرار سليم في الحياة يجب أن يكون متوازنا بين العقل والقلب. ومشكلة ظاهرة الوقوع في الحب أن العواطف تسيطر بشكل كبير على الإنسان لدرجة أن المقولة المكررة:” الحب اعمى” تصبح ذات معنى ، لأن العواطف فعلا تقوم بعمى البصر والبصيرة. 

والحب الحقيقي هو الحب الاختياري الفكري ، أي بعد فترة طويلة ، لأنه في ذلك الوقت يبدأ القسم الفكري من الدماغ في العمل ويبدأ المرء في موازنة حكمة العقل ضد حكمة المشاعر. وتأتي الأسئلة : هل هذا الشخص مناسب لكي يكون زوجا؟ هل هو في ظرف يمكن أن يكون أبا جيدا؟ هل ستكون امرأة مثالية؟ هل بيننا قواسم مشتركة؟ هل هي تفهم في الطبخ؟ هل سيقوم برمي الزبالة دوما؟

وبجانب حقيقة أن الحب وحده لا يكفي ، ثمت مشكلة موازية وهي الفهم الخاطئ للحب. هل تساءلت يوما لماذا يشتري الكثير من الرجال الحب؟ لماذا تريد الكثير من الفتياة شابا فقط غنيا دون النظر إلى عيوبه؟ يذهب فلان فيشتري بيت كبيرا ، لإرضاء الحبيبة ثم في النهاية تتركه ويقول هو:” أعطيتها كل ما املك لكنها تركتني”. إن الفشل في مثل هذه العلاقات هو عدم فهم كافي للحب. هو يذهب لشراء الحب وفي المقابل يريد الحب. وهي ظنت أن حبها ، كما في افلام الكرتون ، يجب أن يكسب عن طريق ابهارها ببعض من المال والسيارات. الحقيقة القبيحة هي أن الحب ليس مشروطاً. الحب يجب أن يكون بلا مقابل. فالمال قد يتبخر والجمال قد يذهب إلا أن المشاعر لا تتغير عندما تكون حقيقية.

آه كم هو عظيم الحب. فكلما شككت في هذا الأمر تذكرت  القاعدة الأربعون لشاعر الحب جلال الدين الرومي:” لا قيمة للحياة من دون عشق، لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تُريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي. فالإنقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الإنقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو، نقي وبسيط.

 “العشق ماء الحياة والعشيق هو روح من النار”،

” يُصبح الكون مختلفًا عندما تعشق النار الماء”

الحب لا يمكن أن يفسر بل فقط أن يعايش… وهذا الشعور هي العظمة نفسها. الحب هو الحياة نفسها .الحب هو كل شيء. لكن الحب ليس كافيا.

المصادر:

  • الإنسان يبحث عن المعنى ، فيكتور فرانكل ص 62
  • لغات الحب الخمسة ، جاري تشابمان ص 15-24